ثروت عكاشه منارة لا يخبو ضوءها


في رثاء ثروت عكاشة
ثروت عكاشه
منارة لا يخبو ضوءها


لا الوقت ولا الحزن قادران على تهدئة القلب لفراق ثروت عكاشه، مات عاشق الفنون وحارس الثقافة الأبدي، "بروميثيوس" العصر الحديث. ولد في القاهرة في 18 فبراير 1921 وتخرج من الكلية الحربية عام 1939 ومن كلية الأركان عام 1948، شارك في صنع ثورة 1952 وكان قائداً لسلاح الفرسان. لقد انطلق مع زملائه أعضاء مجلس قيادة الثورة بهدف

 تخليص الوطن من قيود الاستعمار والاستغلال ورد الاعتبار إلى الشخصية المصرية، وكان ما يميزه عن الضباط الأحرار رأيه المستقل، وثمة فريق استعان به جمال عبد الناصر كانوا على مستوى كبير من النبل والشرف، على رأسهم ثروت عكاشه، وهم الذين على أيديهم تحققت الكثير من الإنجازات الهامة التي لا سبيل إلى إنكارها أو التشكيك فيها. وبينما كان ثروت عكاشه في روما يحضر أوبرا "بوريس جود ونوف" في الثامن من أكتوبر عام 1958، كان قرار التشكيل الوزاري قد صدر في القاهرة وبه ثروت عكاشه وزيراً للثقافة والإرشاد القومي، وعاد إلى القاهرة في اليوم التالي، وبعد اعتكاف في منزله في المعادي لمدة يومين للتفكير في أمر الوزارة، قبلها على مضض بعد أن طمأنه عبد الناصر إلى أن وضعه في ذلك الحين كوزير سيجعله في وضع يعلو وضع بعض من لا تطمئن نفسه إليهم.

الراحل الباقي .. ثروت عكاشة
 اصطحبه يوسف السباعي بسيارته إلى مقر الوزارة في قصر عابدين ولقد دأب منذ توليه الوزارة على التركيز على السياسة الثقافية التي تسعى إلى تشجيع ازدهار القيم والتطلعات الثقافية ولم يجنح أبداً إلى صنع ثقافة حكومية جامدة، فوضع خطة ثقافية ترمي إلى تقديم المستوى الرفيع من المتع العقلية إلى كافة فئات المجتمع وليس للطبقة القادرة فقط، والثقافة في مفهومه ملتقى علوم الحياة، فهي كالبحر تصب فيه أنهار المعارف جميعاً، الثقافة الحقة علم وعمل، والمثقف صاحب موقف، يدفع ثمن موقفه عند الضرورة، وله رأي يضيف للوجود جديداً.

ولقد قال عنه د. فؤاد زكريا "إن الثقافة في عهد الثورة كانت في الواقع تشكل جزيرة منعزلة إلى حد ما عن بقية جوانب النظام، وكان ذلك يرجع أساساً إلى وجود شخصية قوية هي شخصية ثروت عكاشه، فهذا الرجل كان من ناحية من أبرز الضباط الذين قاموا بدور أساسي في ثورة يوليه، وكان من ناحية أخرى عاشقاً حقيقياً للثقافة، فتمكن بفضل قوته ونفوذه من أن يلقي ظلاً من الحماية والرعاية على المثقفين ويضمن لهم قدراً لا بأس به من الحرية ويحميهم من الكثير من الشائعات والوشايات التي كان من الممكن أن تلحق بهم ضرراً كبيراً لولا وجوده".
ولقد بدأ ثروت عكاشه عام 1959 في إنشاء قصور الثقافة على الامتداد الجغرافي لمصر وأصبحت بفضله مظهراً من المظاهر الحضارية التي أسست لإلغاء الأمية الثقافية فأضحت الجماهير تتقبل الفنون التشكيلية والمسرح والموسيقى الكلاسيكية.
وكان يرى الثقافة حافزاً للبشر على التضامن من أجل الارتقاء بمستوى رفاهيتهم، يسعى المتعلم إلى إثراء ذهنه بالمعلومات، في حين يسعى المثقف إلى تحسين أدائه والارتقاء بذوقه ومداركه وفكره ووجدانه وحتى وجوده، المثقف يسعى إلى إحداث تغيير جوهري في المحيط الذي يعيش فيه.
لقد أخذ حظه أولاً من الثقافة، وغدا يحمل لواء التوجيه، جاهداً في هذا السبيل الجهد كله، لا يعنيه ما يعترض طريقه من عقبات ومشاق، وكان الصدام بينه وبين غيره دفاعاً عما يدين به من رأي، لقد شارك بكل ما أوتي من قوة ليدحض باطلاً ويقيم حقاً.



... مازج بين الأصالة والمعاصرة فكان له الفضل في إنشاء مبنى دار الكتب الجديدة والمعهد العالي للسينما، والمؤسسة العامة لفنون المسرح والموسيقى، ومشروع الصوت والضوء، وقاد الحملة الدولية مع منظمة اليونسكو لإنقاذ آثار النوبة ومعبدي رمسي "أبو سنبل" وفيليه وأنشأ أكاديمية الفنون الجميلة وما تفرع عنها من المعاهد الفنية، والمعهد القومي العالي للموسيقى/ الكونسرفتوار ومعهد الباليه، والمعهد العالي للفنون المسرحية ... إنه بحق المؤسس الأول للبنية التحتية للثقافة المصرية في العصر الحديث. ولقد دأب في محرابه وهو عبارة عن غرفة في بيته في المعادي تحيط بجدرانها مكتبة تعانق السقف وتتناثر حوله صور تجمعه مع أندريه مالرو وعبد الناصر وعبد الحكيم عامر وكارل أورف وأبرز مدراء اليونسكو وخلف مكتبه معلقاً على الحائط صوراً من بعض مقامات الحريري في إطار ذهبي وأمامه "أورج"، وظل لفترة متقدمة من حياته يحاول إتقان عزف الموسيقى، ولطالما استمعنا في ذلك المحراب إلى "كارمينا بورانا" لكارل أورف ونحن ننفث دخان السيجار، وعندما تتصاعد النغمات ويعلو قرع الصاجات، يرتجف منبهراً بجمال المقطوعة، وكأنه يسمعها للمرة الأولى.


 انهمك طوال حياته في كتابة موسوعته الخالدة "العين تسمع والأذن ترى" فغطى أغلبية فنون العالم القديم والمعاصر واسترجع بقلمه التراث العربي والعالمي وترجم عشرات الكتب ومن أهمها "مسخ الكائنات" و"فن الهوى" لأوفيد.

رحيل الأخ الحبيب ثروت عكاشه من عالمنا، إلى عالم لم نختبره بعد، يدمع العين ويُدمي القلب، وكم يلفني الأسى كلما تذكرت رقته ورقيه في حياته وفي رسائله والتي دائماً يبدأها بقوله "لكم أسعدني وأسعد أسرتي استقبالكم في القاهرة حقاً لم نمكث طويلاً لانشغالكم بالبرنامج المرسوم ولكن العبرة بحرارة المشاعر ودفء الصداقة".


هناك دائماً ركنٌ شامخٌ يحول دون السقوط، شخصٌ أنيس يحول دون الاكتئاب، إنسانٌ جليلٌ يدفعك إلى الأمام، علمٌ موسوعيٌ يصعب اختزاله في كلمات، ويصعب عرض منجزه الثقافي، إنه بحد ذاته حركة تنويرية. رحل الأب والمعلم، رحل ثروت عكاشه.



أيها الصديق الحبيب، لقد كنت محباً للحياة شغوفاً بها، مقدراً للمرأة، عاشقاً للجمال... قدرك أن تحمل هموم الثقافة ما يزيد عن نصف قرن.. ورسالة الثقافة بكل آمالها وآلامها، قدرك أن تتحمل الأحزان وقدرنا أن نحيا لنعيش ألم فقدانك. لقد خسرت مصر اليوم فارساً ساهم في نحت تاريخها المعاصر بنبل وشرف.. ورحيلك الفاجع يعزز لدينا حب العزلة وجلال الاعتبار.. ولا يبدد غيوم الحزن ومرارة الأسى التي خلفتها برحيلك سوى قول المهيمن "إنا لله وإنا إليه راجعون"
محمود يوسف خضر
كاتب فلسطيني مقيم في أبو ظبي