عن عمل منصور الرحباني


10 Oct
10Oct

إنهم يقتلون سقراط!

 تستعرض مسرحية "أخر أيام سقراط" تاريخاً مؤلماً ودامياً، فتتكلم عن سقراط الذي يتفلسف ويحاول تعليم شباب أثينا الفلسفة فاتهمه الشاعر ميليتوس بأنه يحرض الشباب ضد الالهة ويفسد عقولهم، فحوكم أمام 502 قاضياً وحكم عليه بأن يتجرع نبات الشوكران السام.

الحقيقة أن المسرحية لم تنجح في رسم شخصية درامية لسقراط ولم تعطه حقه من الوقار، فأظهرته صديقاً للغانية تيودورا، ويراقصها في أحد المشاهد التي كاد أن (يدبك) فيها ولولا أداء رفيق علي أحمد المميز الذي استطاع تجسيد شخصية سقراط رغم صعوبة الدور، لما انطبع في ذهن المشاهدين توقير سقراط فاستطاع من خلال حركته على الخشبة إيجاد المعاني التي أثرت العرض في خطابه المسرحي العام، أما الحبكة على المستوى الدرامي كانت ضعيفة ويكاد يشعر المتلقي للوهلة الأولى بأن العرض يرمي إلى إبساط الجمهور بصرياً إن صح التعبير، وليس إلى الاستمتاع الفكري أو حفزه لقراءة أعمال أفلاطون أو الدخول إلى آداب العصر الإغريقي.

لقد أظهر العمل زوجة سقراط السيدة كزنتيبي وكأنها حريصة على بقائه في المنزل حباً فيه، والحقيقة أنها كانت سيئة جداً معه، ومن أقواله المأثورة: "لقد أصبت في حياتي بثلاث مصائب: الفقر والجهل وزوجتي، وتغلبت على الأولى بحسن التدبير، أما الثانية فتغلبت عليها بالمعرفة، أما الثالثة فلا مجال للتخلص منها".

وتخرج علينا زوجته لتغني له "وين بدي أخبيك". لقد أراد كاتب السيناريو الإيحاء بأن سقراط مكلف برسالة سماوية فاستخدم ذات التعبير على لسانه في إحدى محاوراته واستخدم نفس المضمون في عدة حوارات منها: "أنا عيني الله لأفحص نفسي وأفحص الآخرين" ولقد قالها في سياق محاكمته التي لو أعطيت المزيد من وقت الحدث الدرامي لأغنت العمل كثيراً خاصة وأن سقراط كان العام 440 ق.م. (ختام هزيمة أثينا في الحرب البلوبونيزية ضد اسبرطة) قد تطوع كمحارب وطني، وكانت هناك عصبة من الإرهابيين، عرفوا باسم (الثلاثون طاغية) قد ارتقوا إلى السلطة في أثينا والحرب توشك أن تصل إلى نهايتها، كانوا في وقت ما على صلة بسقراط، بالرغم من أنه لم يكن مسؤولاً عن جرائمهم على الإطلاق، إلا أنه في سنة339 ق.م قدمت الحكومة الديمقراطية التي استعادت سلطانها، سقراطاً إلى المحاكمة بتهمة كفره بالآلهة التي تعبدها أثينا، وإفساد الشباب بالمدينة. 

وقد أفحم سقراط قضاته بأسلوبه الساخر الصلب، إذ قال لهم: "لو أنكم اقترحتم إخلاء سبيلي بشرط  أن أتخلى عن بحث الحقيقة لقلت لكم أني اشكركم أيها الأثينيون، ولكني أوثر أن استجيب لطاعة الله الذي أعتقد أنه هيأني لأداء هذه الرسالة على أن أنصاع لرأيكم. وما دام بين جنبي نفس يتردد، وقوة أشعر بدبيبها في كياني فلن أتوقف عن مزاولة التفلسف ومواصلة التحدث إلى من ألقى من الناس وتكرار القول له: ألا تشعر بالضعة والخجل حين تكلف بالثروة وتتعلق بها، ولا تحرص على الحكمة ولا تعبأ بالحق ولا تعمل على الارتقاء بنفسك؟ إني لا أعرف ماذا يكون الموت، ربما كان أمراً طيباً، فأنا لا أخافه ولا أخشاه. ولكني واثق من أن توقف المرء عن أداء وظيفته شر لا محالة، فأنا أؤثر ما يحتمل أن يكون طيباً على ما أعرف أنه شر".

لقد فشل العرض بأن يجعل من الموقف الدرامي لمحاكمة سقراط صفة إيحائية عن طريق الحوار، بل تعامل مع الحوار كناقل للمعلومات يساعد المتلقي على معرفة تراتبية الأحداث دون أن يولد داخله أي علامات استفهام أو انبهار، فقط المتعة في رؤية أحداث تتلاحق وألوان تتزاحم غابت الدراما عنها.

ولما كانت المسرحية الغنائية هي من الأشكال المسرحية الحديثة وتعتمد على الموسيقى والرقص والغناء، وهو اتجاه لجأ إليه الغرب لجذب المشاهد والإتيان به من أمام شاشات التليفزيون، فإن العرض الذي شاهدناه نجح في جوانب الرقص وأخفق في جوانب أخرى.

لقد قسم العمل الزمان هنا إلى زمانين، فهناك زمن حكم الطغاة (الاوليغاركية) الذين حكموا أثينا عقب هزيمتها على يد اسبرطة، وفيها يقف سقراط ضد حكم الأقلية، والزمان الآخر الذي تدور فيه المسرحية هو زمان انتصار الديمقراطيين على الاوليغاركية وفيه يتحول الديمقراطيون إلى طغاة فيقف سقراط مع الشعب. وقد استطاع المخرج من خلال توظيف الأشياء أن يجعلنا نعتقد بأنه لا فارق ما بين حكم الأقلية وحكم الديمقراطيين، فالشعب تفرض عليه الضرائب، والمزايا تعرف طريقها إلى أصحاب الحظوة، ويبقى سقراط متمسكاً بمبادئه التي لم ينجح المخرج في إبرازها، واستخدم المخرج دلالة الألوان خاصة في الأزياء، فسقراط دائماً مرتدياً الزي الأبيض البسيط رمز الطهر والنقاء، والأشرار يلبسون (ميليتوس) الألوان المزركشة، وإن كان منصور الرحباني قد استلهم التاريخ في مسرحيته إلا أننا لن نحاكمه على ذلك لأن التاريخ عمل باحث عن الواقع، في حين الدراما عمل باحث عن الحقيقة وقد تكون الحقيقة غير الواقع، فإننا نرى أن الشمس تغرب يومياً وهذا هو الواقع، ولكن الحقيقة أن الأرض هي التي تدور فتبدو الشمس وكأنها تغرب.

والمشكلة الأساسية في هذا العمل هي أن الخطوط الدرامية لرسم الشخصيات غير واضحة وملتبسة وفي بعض الأحيان متناقضة، ناهيك مخالفتها للوقائع التاريخية الموثقة.

واستطاع مصمم الديكور الاستفادة من الأعمدة الرومانية الشهيرة ووظفها لزمن الإغريق، ولقد شغلت مساحة كبيرة من خشبة المسرح، وأجاد في تغيير المناظر خاصة في المشاهد التي بها مجاميع كبيرة كموقف المحاكمة.

والحقيقة أن الرقصات كانت أكثر توفيقاً في التعبير عن الحوار، وعن الحزن على محاكمة سقراط. وموسيقى العمل كانت موفقة في تصوير الصراعات المتلاطمة داخل نفوس شخصيات المسرحية التي يجمعها التناقض، فأين ماتيليوس الذي سار خلف سقراط تاركاً ثروة أبيه، وأفلاطون تلميذ سقراط الذي يحثه على الهرب من تنفيذ حكم الإعدام، وسقراط الباحث عن الحقيقة.

وكانت الإضاءة من أهم العناصر الفنية التي لم تبعث داخلنا الإحساس بالثراء، فلم نستمتع ببقع ضوئية قادرة على الإيحاء، وتشابهت في الإضاءة في أغلب المشاهد، فلم يكن هناك فارق يذكر ما بين مشهد محاكمة سقراط ومشهد السوق أو مشهد استيلاء اسبرطة على أثينا.

وفي النهاية يمكننا القول إن العمل كاد أن يلامس النجاح لوجود الممثل القدير رفيق علي أحمد، وإننا بدورنا نتوجه بالتحية إلى وزارة الإعلام والثقافة وعلى رأسها سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان الذي أتاح لنا فرصة مشاهدة هذا العمل الضخم والذي نتمنى أن نشاهد سنوياً أعمالاً لا تقل عنه.