الخزف الأيُّوبي والمملوكي


11 Oct
11Oct

 اضمحل إنتاج الخزف في نهاية العصر الفاطمي لضعف الخلافة الفاطمية وما تبع ذلك من حريق الفسطاط الَّتي كانت مركزًا هامًا من مراكز صناعة الخزف· وتوقّف إنتاج الخزف ذي البريق المعدني الفاخر الذي فاق جماله وألوانه سائر أنواع الخزف وكذلك سائر الأواني الذهبية والفضِّية· وأقبل الخزَّافون على صناعة الخزف حسب

 الأساليب الزخرفية والفنِّية الَّتي كانت متَّبعة أيام الفاطميين، عدا فن البريق المعدني الذي خبا نظرًا لدقَّة صناعته وكثرة تكاليفه واستخدمت الزخارف والألوان الَّتي كانت تستعمل في الخزف ذي البريق المعدني في زخرفة وتلوين الخزف المرسوم تحت الطلاء بلون واحد أو بألوان متعدِّدة، وبينما تدهورت صناعة الخزف ذي البريق المعدني في مصر، بل توقّفت تمامًا في نهاية العصر الفاطمي والأيُّوبي، ظهرت صناعة الخزف ذي البريق المعدني في سوريا والعراق في أواخر القرن الثاني عشر ثم انتقلت إلى إسبانيا وكان لابدّ من توقّف صناعة الخزف ذي البريق المعدني أيام الاضمحلال الفاطمي، ذلك أنَّ صناعة هذا الخزف باهظة التكاليف دقيقة الصنعة وبالتالي تصبح منتجاته غالية الثمن لا تستطيع أن تروّج سوقها إلا في عصور الرخاء، ولذلك نرى اختفاء هذا الفن في آخر العصر الفاطمي والأيُّوبي، ثم يعود للظهور في مصر في عصر المماليك عصر الثراء والأبهة· وشاعت في مصر صناعة الخزف المرسوم تحت طلاء شفَّاف ذي لون واحد أو ألوان متعدِّدة، وكانت الألوان المفضَّلة في هذا النوع من الخزف ذي اللَّون الواحد هي اللَّون الأزرق والأزرق الفيروزي والبنفسجي·

 وقد توصَّل الخزَّافون إلى صناعة هذا النوع من الخزف المرسوم تحت الطلاء بلون واحد أو ألوان متعدِّدة بأنْ جعلوا البطانة البيضاء قاتمة اللَّون بإضافة اللَّون البنِّي إليها ثمَّ رسموا خطًا أسود حول الرسوم الزخرفية لمنع سيلان أو انسكاب اللَّون الأزرق في مادة اللَّمعان وتكوين بقع على الطلاء، كما جعلوا عجينة هذا الخزف رقيقة ورسومه دقيقة· ويمثِّل ذلك النوع من الخزف المرسوم تحت الطلاء في متحف الفن الإسلامي من العصر الأيوبي جزءًا من قاعدة إناء من الخزف- مسجل برقم (6939/1)-وهو مستدير تقريبًا، زخارفه مرسومة تحت الطلاء الزجاجي الشفاف عديم اللون· قوام الزخرفة ثلاثة أرانب تجري في تتابع متناسق واحد منها باللون البني المحمر والثاني باللون الأسود والثالث باللون الأزرق· أجسام الأرانب الثلاثة مرسومة بأسلوب كاريكاتيري ممطوط يتميز بالحركة· وقد رسم الخزَّاف آذان الأرانب الثلاثة بأسلوب يتسم بالذكاء، فبالرغم من أننا نرى ثلاث آذان فقط للأرانب الثلاثة إلا أن طريقة رسمها متصلة متشابكة تكون شَكْلَ مُثلَّثٍ تجعل كل أرنب من الثلاثة يبدو بأذنين فعلاً· وبين الأرانب الثلاثة فروع نباتية محورة ملأت المساحات الخالية وأوجدت توازنًا زخرفيًا جميلاً في هذه المساحة الضيقة بالإضافة إلى الانسجام والتناغم بين الألوان المستخدمة·

ولأن هذا النوع من الخزف يتميز بالدقة في رسم العناصر الزخرفية، ولأن الحيوانات والطيور ترسم بأسلوب محور زخرفي فقد أطلق على هذا النوع من الخزف اسم الخزف دقيق الصنع وهو اسم مستمد من أسلوب صنعه وزخرفته·وأمام غزو المغول لإيران هاجر الكثير من الصنَّاع إلى مصر و منهم الخزَّافون وكان هؤلاء يزخرفون خزفهم بألوان متنوِّعة من الميناء فوق الطلاء الزجاجي القاتم اللَّون، فتعلَّموا في مصر الأسلوب السائد وهو الرسم والتلوين بالألوان الرئيسة (الأحمر والأسود والأزرق) تحت الطلاء الزجاجي الشفَّاف· وفي متحف الفن الإسلامي قاع إناء من الخزف الأيوبي مسجل برقم (5379/25)عليه تحت الطلاء الشفّاف قارب شراعي ملوَّن بالألوان الأحمر والأزرق والأسود ويخرج من جانب القارب خطوط تساعد على ملء مساحة الزخرفة بالرسم، وفي الوقت نفسه، تبدو كمجاديف القارب· وشراع القارب مرسوم على شكل مربَّعات، ووجها الشخصين اللذين في القارب مرسومان بأسلوب تقريبي·

 

ومن المظنون أن هذا الإناء قد صُنع في أوائل العصر الأيُّوبي حيث كانت صور الآدميين غير مستحبَّة في هذا العصر، ولذلك لا تبدو على الوجوه التفاصيل والتعبيرات الَّتي كنَّا نشاهدها على الوجوه في العصر الفاطمي· وتذكرنا طريقة رسم وجهي الشخصين في القارب وألوانها بالخـزف الإيــراني مـن النوع المينائي الذي أنتج أواخر القرن 12 والنصف الأول من القرن 13م· وكان ينتج في مدينتي الري وقاشان·ونظرًا للتسامح الديني الذي اشتهر به السلاطين الأيُّوبيون ونظرًا للعلاقات الَّتي كانت قائمة بين أهل الشام ومصر وبين الصليبيين في العصر الأيُّوبي، فإنَّنا نجد رسومًا مسيحية على أنواع الخزف الذي كان ينتج في كل من الشام ومصر· وفي متحف الفن الإسلامي جزء من طبق كبير من الخزف مسجل برقم (13174) من النوع الذي عرف باسم الخزف دقيق الصنع· القطعة عليها بقية موضوع زخرفي آدمي مرسوم بالألوان: الأسود والأخضر والأزرق الغامق تحت الطلاء الزجاجي الشفاف عديم اللون·الموضوع التصويري يمثل نزول السيد المسيح من فوق الصليب وتتلقى جسده السيدة العذراء بين ذراعيها ويظهر على وجهها الحزن والأسى، ويميل السيد المسيح بوجهه على وجهها وقد أُغمضت عيناه·

وقد عرفنا أن الأجزاء الناقصة من هذا الطبق محفوظة حاليًا في متحف بناكي بأثينا في اليونان وهي قطعتان تظهر عليهما صور القديسين الاثني عشر، كما تظهر على إحداهما صورة السيدة مريم المجدلية والقديس يوحنا· كما يظهر على القطعتين في متحف بناكي رسم الصليب، وأعلاه ملاكان يبكيان· ويبدو أن الطبق قد صنع في الأصل ليوضع في كنيسة أو من أجل أسرة مسيحية· أما القطعتان المكملتان للطبق فقد انتقلتا إلى متحف بناكي في أثينا في ظروف غامضة·وكان الخزف السوري يشبه الخزف المصري شبهًا كثيرًا يصعب معه معرفة مكان صناعة القطعة الخزفية، ما لم يرجع إلى اسم صانعها، وغالبًا ما كان هؤلاء الصنَّاع وافدين عليها من البلاد الإسلامية الأخرى كالشام والعراق وإيران·

 

وشاعت في مصر صناعة الأواني المدهونة بطلاء من لون واحد لأنها أسرع إنتاجًا وأقلّ تكلفة، وهي في الوقت نفسه تقليد لأنواع الخزف الصيني من البورسلين ·وفي العصر المملوكي اشتهر الخزف المطلي بالميناء الملوّنة الذي تغلَّب على ألوانه اللَّون العاجي (الأصفر الفاتح) واللَّون البنِّي والأخضر، ورسوم هذا الخزف هي زخارف نباتية وحيوانية وهندسية، والقليل منه الذي يحتوي على رسوم آدمية تمثِّل حياة الترف مثل مجالس الشراب والطرب·

 

ولعمل الخزف المطلي بالميناء كان الخزَّافون يضعون طبقة بيضاء على الفخَّار الأحمر يرسم عليها الزخارف والمناظر الَّتي صمّمت لتزيين الخزف وتلوينه بالفرشاة ،أو تُحزّ الرسوم حزّاً عميقًا في الطبقة البيضاء حتَّى يصل الحزّ إلى سطح الفخَّار الأحمر· وبعد الحرق تبدو زخارف الخزف كما لو كانت بارزة، وهذا النوع من الخزف يمتاز بلونه البنفجسي أو البنِّي الفاتح وهناك نوع آخر من الخزف المملوكي يرسم باللَّون الأسود والأزرق تحت الطلاء الشفَّاف وهذا الخزف لا تحتوي زخارفه على رسوم آدمية ولكنه غنيّ بالزخارف النباتية والحيوانية والهندسية والكتابة بخط النسخ وهو تقليد للبورسلين الأزرق اللَّون على أرضية بيضاء· وكانت الكتابة تتضمَّن أسماء وألقاب الأمراء والسلاطين وكذلك (رنوكهم) وبعض الأدعية وكان مثل هذا الخزف يصنع في إيران في سلطان آباد وسوريا ومصر·

ومن العسير تقرير أي القطع الخزفية من صناعة مصر أو سوريا أو إيران، والعلامة الَّتي يمكن بها تمييز الخزف المصري هي أن الخزف المصري أقل صلابة من جميع أنواع الخزف، ولون فخَّاره أحمر قاتم· ويمثِّل الخزف المطلي بالميناء في متحف الفن الإسلامي قطعة من الخزف عليها رسم صيَّاد يحمل بازًا، ويلاحظ أن الوجه الآدمي لا يمثِّل الطبيعة تمثيلاً دقيقًا.

ويوجد في متحف الفن الإسلامي جزء كبير من قاع إناء من الخزف مسجل برقم (5707) مستدير تقريبًا عليه موضوع تصويري مرسوم باللونين الأسود والأزرق تحت الطلاء الزجاجي الشفاف عديم اللون·الزخرفة تمثل غزالاً واقفًا يتجه ناحية اليمين رافعًا رأسه إلى أعلى·

بدن الغزال مرسوم بأسلوب قريب من الطبيعة تظهر فيه بعض تفاصيل البدن التشريحية· ويبدو من أسلوب الزخرفة أن الخزاف قام بطلاء الأرضية باللون الأزرق بعد أن حجز الزخارف لتظهر بيضاء على أرضية زرقاء· يحيط بدن الغزال زخارف نباتية محورة منفذة بأسلوب يوحي بأن الخزَّاف تأثر بالخزف الإيراني من نوع سلطانباد·

ويرجع ظهور تأثيرات الخزف الإيراني على بعض أنواع الخزف المصري في القرن 14م إلى هجرة الكثيرين من خزافي إيران والعراق إلى الشام ومصر بعد غزوات المغول الكبرى وتخريب المراكز الصناعية في إيران والعراق·على الإطار الخارجي للتحفة شريط زخرفي بداخله كتابة تشبه الحروف النسخية اللينة· ونلاحظ هنا تطور زخرفي يتمثل في أن الخزاف تحاشى جريان اللون الأزرق تحت الطلاء الزجاجي، كما رأينا في بعض التحف المزخرفة بالأسلوب نفسه·ومن أسماء الخزّافين الذين ظهرت توقيعاتهم على الخزف المملوكي إلى جانب غيبي وعجمي وغزال وأبو العز نجد توقيعات الرزاز ـ زيتون ـ العجيل ـ الأستاذ المصري ـ الشيخ ـ الموان ـ مهندم ـ الدهين ـ ابن الخباز ـ درويش ـ ابن الملك ـ الشاعر ـ الشامي ـ غزيل·

هذا إلى جانب صانع الفخار الشهير شرف الأبواني· وتستوجب توقيعات الصُنَّاع على الحرف والصناعات في العصر الإسلامي وتطورها التنقيب بين سطور المؤلفات العربية لالتقاط تراجم هؤلاء الصناع إلى جانب استقصاء المؤلفات التي وضعت في الصناعة وتراجم الصُنَّاع· وقد ساعدنا ذلك على تصنيف الخزف المملوكي وتتبع مراحل تطوره· ونلاحظ أن الخزّاف أبو العز جاء في مرحلة متأخرة كانت فيها صناعة الخزف قد أخذت في الاضمحلال· 

كمـا يوجـد بالمتحـف أيضًا قاعـدة إنـاء مـن الخزف مسجلة برقم (6033/2) تحتفظ بجزء من القاع· على سطح القاع رسم سمكة مرسومة باللون الأزرق بأسلوب محوَّر تحت الطلاء الزجاجي الشفاف·على سطح القاعدة من أسفل وضع الخزَّاف توقيعه باللون الأزرق بخط الرقعة اللين تحت الطلاء الزجاجي الشفاف والتوقيع هنا >غيبي الشامي<· وهو غيبي التوريزي الذي ظهر توقيعه منسوبًا إلى الشام على بعض منتجاته الخزفية·وقد استخدم غيبي زخرفة السمك على بعض منتجاته فرسمها متلاحقة كأنها تسبح مرسومة بأسلوب قريب من الطبيعة وظهر بعضها مرسوم بأسلوب زخرفي بسيط·

واستخدم غيبي في زخرفة بعض أوانيه التقسيمات الهندسية الإشعاعية، التي تخرج من دائرة صغيرة أو وريدة مرسومة في مركز الإناء وتنتهي عند الحافة مكونة قطاعات مثلثة تملؤها زخرفة الأرابسك وزخرفه تشبه قشر السمك إلى جانب كتابات بخط النسخ· كما استخدم ثمار الرمان أو الخوخ وسط أفرع نباتية· كما ظهرت في زخارفه نباتات مائية مرسومة بالأسلوب الصيني· وكذلك استخدم رسوم الحيوانات الخرافية التي اقتبسها من زخارف البورسلين، كما استخدم رسوم الحيوانات مثل الثور والغزال والحصان و استخدم الكتابات الكوفية والنسخية في تمكن شديد وإتقان·وقد استخدم غيبي في معظم رسومه وزخارفه اللون الأزرق الزاهي على أرضية بيضاء ناصعة تحت الطلاء الزجاجي الشفاف· و استخدم في بعض زخارفه ألوانًا متعددة· ويبدو أن مصنعه قد استمر في الإنتاج حتى القرن 16م حيث وصلتنا قطعة تحمل اسم >ابن الغيبي بن التوريزي< ويبدو أنه ابنه·كمـا يوجـد بالمتحـف أيضًا قـاع إنـاء مـن الخـزف مسجلـة بـرقم (5404/53) احتفظ بقاعدته التي تحمل سطحها من أسفل بخط الرقعة بالياء الراجعة اسم الخزاف غيبي.وعلى سطح القاع رَسْمُ طائر كبير  باللون الأزرق بأسلوب قريب من الطبيعة تحت الطلاء الزجاجي الشفاف· يخرج من فوق ظهر الطائر أوراق نباتية محورة تملأ الفراغ فوق الطائر·

ويعتبر الخزاف >غيبي بن التوريزي< أشهر خزافي العصر المملوكي في أواخر القرن الرابع عشر وأوائل القرن 15 وهو يتزعم مدرسة  كبيرة من خزافي هذا العصر ممن سجلوا أسماءهم على منتجاتهم وتربطهم به صلة الصانع بأستاذه·وقد عمل غيبي ومدرسته في فترة تأثر فيها الخزف المصري بأشكال وزخارف البورسلين الصيني، وقد استطاع غيبي ومدرسته إلى حد ما منافسة أواني البورسلين مع الاحتفاظ بأصالتهم الفنية·وينتسب غيبي في توقيعاته على منتجاته الخزفية إلى تبريز أو توريز في شمالي غربي إيران كما ينتسب في قطع أخرى إلى الشام عندما يظهر توقيعه >غيبي الشامي<· ولابد أن أصل أسرته من تبريز ثم انتقلت للإقامة في الشام قبل قدومها لتستقر في القاهرة·

ويبلغ عدد الرنوك الملكية والوظيفية التي أمكن حصرها في العصر المملوكي قرابة خمسين رنكًا· وقد انتهى نظام الرنوك بسقوط الدولة المملوكية 1517م وآخر ما تذكره الكتب عن الرنوك في آخر دولة المماليك أن خاير بك أول حاكم عينه العثمانيون بعد استيلائهم على القاهرة 1517م هدّد سكان القاهرة عندما وقفوا في وجه الغزاة العثمانيين أنَّ مَنْ لا يستقر في بيته سوف يضرب عليه رنكه (أي علي البيت) وهو مايدل أن الرنك كان يدل على الملكية·كما يوجد في متحف الفن الإسلامي جزء من قاع إناء من الخزف مستدير الشكل تقريبًا مسجل برقم (14691) مرسوم تحت الطلاء الزجاجي الشفاف· الزخرفة تتألف من ثلاث مناطق أفقية· السفلية بيضاء، الوسطى عريضة لونها بني مائل إلى الحمرة والعليا زرقاء يفصل بينها خطوط سوداء·في المنطقة الوسطى رنك من الرنوك الوظيفية، وهو رنك موظف البريد، وهو يصور بغلاً يجري وعلى ظهره حمل وذيله مقطوع· وكان من المعتاد قطع ذيل البغل الذي يركبه موظف البريد لتمييزه وليعرفه الناس بأنه بغل البريد·وكلمة بريد مشتقة من كلمة پريدم الفارسية وتعني مقصوص الذيل نسبة إلى بغل البريد عند الفرس· وكان عامل البريد يعلق في رقبته لوحة من النحاس لها شرابة من الحرير يكتب على أحد وجهي اللوحة شهادة التوحيد وعلى الوجه الثاني اسم السلطان وألقابه· وكان الناس يعرفون عامل البريد بهيئته هذه على بغله مقطوع الذيل·

ولم تكن وظيفة عامل البريد في العصر الملوكي تقتصر على توزيع رسائل البريد فقط بل كان يتولى في كثير من الأحيان نقل الأشياء الصغيرة وهو ما نعرفه حاليًا باسم الطرود البريدية· كما استخدم عامل البريد في بعض الأحيان للتجسس لحساب السلطان أو الوالي·كما يوجد بالمتحف أيضًا جزء من قاعدة إناء من الخزف مسجل برقم (6039/2)· مغطى بالكامل بزخرفة مرسومة بالألوان الأزرق والأسود والبني المحمر تحت الطلاء الزجاجي الشفاف عديم اللون· في مركز القاع دائرة داخلها وريدة محورة· تشع أو تتفرع من الدائرة المركزية ستة أذرع تكون شبه شكل نجمي سداسي وكل ذراع من الأذرع الستة محاط بالكامل بخط أو إطار باللون البني· ونجد أن أربع مناطق من المناطق الست المحصورة بين الأذرع الهندسية مملوءة بزخرفة مجدولة شبه نباتية على أرضية من نقط صغيرة جدًا· والمنطقتان المتواجهتان أفقيًا كل منها مملوءة بزخرفة هندسية من وحدات على شكل حرف Y اللاتيني وهي الزخرفة التي يعرفها أهل الصنعة باسم زخرفة الدقماق·وقد استخدم غيبي بن التوريزي هذا التصميم الزخرفي في عدد من منتجاته الخزفية وهكذا نرى أن غيبي لم يتأثر فقط بزخرفة البورسلين الصيني، بل إنه أخذ عن بعض الخزافين الذين سبقوه مثل الأستاذ المصري صانع هذا الإناء·وعلى سطح قاع قاعدة الإناء وبين حوافها التي تكسر معظمها وضع الخزاف توقيعه باللون الأسود تحت الطلاء الزجاجي على أرضية بيضاء· والتوقيع باسم >الأستاذ المصري< ويبدو من أسلوب الخط أنَّ الذي كتبه هو أحد صبيان الخزاف حيث إنَّ الخط ركيك للغاية· ويبدو من لفظ الأستاذ أنه كان رئيسًا للخزافين أو من كبار المعلمين (أسطى) وهي في الحقيقة اللفظة عامية المختصرة لكلمة أستاذ·كما يوجد بالمتحف أيضًا قاعدة إناء من الخزف مسجلة برقم (6031/1) متبقٍّ بها جزء من القاع· الزخرفة على الجزء المتبقى من القاع منفذة باللونين الأزرق المخضر والأسود على أرضية بيضاء تحت الطلاء الزجاجي الشفاف· والزخرفة نباتية تمثل زهرة كبيرة أوراقها مدببة ومستديرة ولوزية حول كل ورقة إطار من خط أسود· يملأ المساحات الجانبية زخرفة نباتية خطية محوّرة وأوراق مسننة·على سطح قاعدة الإناء وداخل الحافة التي تكسر بعض أجزائها وضع الخزاف غزال توقيعه بخط نسخي أنيق تحت الطلاء الزجاجي الشفاف وغزال من أتباع أسلوب ومدرسة الخزاف المشهور غيبي التوريزي وله العديد من القطع التي تحمل اسمه· وكانت توقيعات الخزافين المشهورين على أعمالهم الفنية تشير إلى اعتزاز الخزاف بإنتاجه وتنشيط عملية بيعه في الأسواق· ونلاحظ أن معظم خزافي هذه الفترة وضعوا توقيعاتهم على قيعان الأواني من أسفل·وفي متحف الفن الإسلامي قاعدة إناء من الخزف مسجلة برقم (6029) متبقٍ بها جزء من أسفل البدن· الزخرفة على سطح القاع منفذة باللون الأبيض على أرضية باللون الأزرق المخضر تحت الطلاء الزجاجي الشفاف عديم اللون· الزخرفة قوامها دائرة كبيرة في مركز القاع تملؤها أربع شجيرات نباتية بأوراق محوّرة بداخلها دوائر صغيرة سوداء وفي الوسط زهرة محوَّرة· حول الدائرة المركزية شريط من زخرفة مجدولة على شكل سلسلة·على سطح قاعدة الإناء من أسفل وداخل الحافة التي تكسرت بعض أجزائها وضع الخزاف توقيعه باللون الأسود تحت الطلاء الزجاجي بخط أنيق بسيط >عمل غزيل<· ونلاحظ أن الخزَّاف لم يضع اسمه فقط بل سبقه بكلمة >عمل< مثل العديد من خزَّافي هذا العصر في بداية إنتاجهم·· ثم ينتقل الخزَّاف إلى وضع اسمه فقط بعد أن ينال قسطًا وافرًا من الشهرة· ولابد أن غزيل يمتُّ بصلة قرابة للخزَّاف (غزال) أو ربما يكون ابنه أو صبيه·

وكان المماليك أهل ترف وعزّ، وكانوا لا يأكلون إلا في صحاف من الذهب والفضَّة ويشربون بأكواب وكؤوس البلور المزخرف والمذهَّب· أما الخزف فكانوا يقتنونه ليكون مادَّة للزينة تُوضع في الخزانات الحائطية التي كانوا ينشئونها في تجاويف الجدران والَّتي مازال بعض منها باقيًا في جدران القصور المملوكية القليلة الباقية الآن·وتدلّ توقيعات الخزَّافين على منتجاتهم على انتقال الكثير من الصنَّاع إلى مصر في العصر المملوكي، كما يظهر نشاط صناعة الخزف مرَّة أخرى في الفسطاط، وعودة الخزف ذي البريق المعدني إلى الظهور· غير أنه في القرن الحادي عشر الهجري بدأ التدهور يظهر على الخزف المملوكي نتيجة للتدهور الاقتصادي الذي أصاب البلاد في أواخر العهد المملوكي·ويمكننا القول، إنَّ أهم ما حققه العصر المملوكي في تاريخ صناعة الخزف هو تطوير تقليد الخزف الصيني والوصول بالمنتجات المقلدة إلى مستوى يضاهي الأصل وتعتبر هذه المرحلة غامضة في تاريخ الخزف الإسلامي ،التي تقع ما بين غزو تيمور لنك للعالم الإسلامي والفتح العثماني وربما يكشف لنا المستقبل وما تخبئه الأرض من آثار على الحقيقة التي نبحث عنها ،التي بها تكتمل حلقات صناعة الخزف الإسلامي·