ضد الجوع الذي يغزو عالمنا


11 Oct
11Oct

تقول الأسطورة اليونانية إن الشجرة المقدسة كانت في الغابة البعيدة تحرسها "ديميتر" يأكل من ثمرها الناس وتستظل بفيئها الحيوانات، وكانت للعالم مظلة، فجاء الجاحد "أبرزتون"، الذي خالف التعاليم بعدم قطع الأشجار، وبقسوة الحديد ضربها بالمعول

فتألمت وأخذت تنزف الحنين والنار ,إذ بجذعها يسقط محدثاً دوياً هائلاً لا زال يسمع صداه. فغضبت "ديميتر" وحكمت على "أبرزتون" بالجوع مسلطة مسلطة عليه "فامن" التي نزلت من أعالي جبال القوقاز وجالت بين البشر حتى حطت في جسد "أبرزتون" فتملكه النهم وصار لا يشبع، فنفذ ما لديه من مال وباع كل ممتلكاته لشراء الطعام فلم يشبع، فباع ابنته إلى أحد التجار ليسد جوعه، وقد تضرعت ابنته إلى "نبتون" أن يخلصها من رتق العبودية فحولها إلى صياد، فلم يتعرف عليها التاجر الذي اشتراها، ويئس وعاد أدراجه إلى بلاده فعادت ابنة "أبرزتون" إلى هيئتها الأولى بعد أن تعهدت بأن تسقي الأشجار وترعاها مدى الحياة. ومات "أبرزتون" من شدة الجوع، ولم تغادره "فامن" إلى أن كان القبر مثواه. ولا زال "فامن" منذ تلك اللحظة تنتقل من مكان إلى آخر، ولذلك يشعر بالجوع كل من يقطع شجرة، فالثمار للبشر والشجر لله، ولم يستطع أحد – منذ ذلك التاريخ – أن يُعيد "فامن" إلى أعالي جبال القوقاز، وأخذت تنتقل من بلد إلى آخر ناشره الجوع والبؤس في أركان المعمورة.

وتعلم "فامن" أن تقدم البشرية وتنمية المجتمع مرتبطان بالقضاء عليها، وليس ذلك من قبيل الواجب الأخلاقي، وإنما كضرورة اقتصادية واجتماعية. ولإتمام ذلك ينبغي النهوض ببرنامج وطني في كل دولة على حده – وفقاً لظروفها – للقضاء على الجوع وبالنسبة لعالمنا العربي، يجدر بنا الدفع ببرامج محو الأمية واتاحة التعليم للجميع وزيادة فرص العمل وتنمية مهارات الأفراد بما يؤدي إلى خريجين أكثر قدرة على تلبية احتياجات المجتمع.

وإلى الآن، لا تبدو العولمة قادرة على توزيع أكثر عدلاً للدخل، وقراءتنا للواقع الحالي تجعلنا نرى القرية العالمية يسكنها نوعان من البشر، عالم في رفاه وبحبوحة من العيش، وآخر تسيطر عليه "فامن" فالبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة أشار، في تقريره الصادر العام 1998، إلى أن عدد الفقراء في العالم العربي ما بين تسعين ومئة مليون شخص، أي ما يعادل 34 – 38 في المئة من عدد السكان. ووفقاً لمعيار خط الفقر المعتمد من البنك الدولي يصنف كل من يتقاضى 30 دولاراً شهرياً فما أقل تحت خط الفقر.

إن فكرة التقدم الإنساني للوصول بالبشرية إلى آفاق أرجب تقتضي التسامح إزاء الآخرين كما تقتضي الحرية واحترام التنوع الثقافي. فثقافة الرجل الذي يحيا في غابات أفريقيا مقتنعاً بالسحر والشعوذة، جديرة بالاحترام كثقافة الأوروبي الذي يتعامل في شبكة المعلومات الدولية، والحرية المقصودة هي حرية التعبير وحرية الانتقال، والحق في مياه نقية وفي بيئة نظيفة، وكلها تجليات للحرية. ويجب الاعتراف لكل فرد بحريته في التعبير عن رأيه، على أن يعمل ما تجتمع عليه أغلبية الناس وتعطيه قوة القانون مع الحق في إلغاء هذه القانون عندما يوجد ما هو أفضل منه، لأن من المستحيل أن يفكر الجميع بطريقة واحدة. والحرية شرط أساسي لتقدم العلوم والفنون وكافة أشكال الإبداع الأخرى، إذ ليس من المتصور أن يبدع خائف أو أن يخترع من هو مكبل بالقيود. والجانب الآخر من الحرية، هو التقيد بالنظم والقوانين المعمول بها في كل دولة. وإذا فهمنا حرية الفعل بأن يفعل كل فرد ما يحلو له، فإننا بذلك ننزلق إلى فوضى قد تقوض أسس المجتمع المدني، وعلى كل فرد في المجتمع أن يثبت ولاءه للدولة بالانصياع لقوانينها ونظمها، فضوابط الحرية تشابه إشارات المرور في الطرقات، لا ينبغي تجاوزها، وهي فضيلة ينبغي الحفاظ عليها.

فالفقير ليس حراً، والذين يحتاجون إلى كمية أساسية من المياه النقية وقد فرضت عليهم بيئة غير صحيحة وقدرة تكاد تكون معدولة على الانتقال أو التواصل من خلال أجهزة الاتصال الحديثة، هم غير أحرار. إن الرق في العصر الحديث موجود بشكل مختلف عن شكله التاريخي فاليس الآن اشكالاً جديدة من البؤس والقهر.

كذلك عدم التوزيع العادل للثروة والتمييز العنصري بسبب اللون أو الجنس تنتج فقراء جدداص، والجوع وسط الرفاه يخلق مشاكل سياسية واقتصادية واضطرابات قد تعصف بالمجتمع، ولا شك في أن دخولنا الألفية الثالثة مثقلين بهذا العدد الهائل من الجياع يعتبر وصمة عار في جبين الكرامة الإنسانية.

وللفقر أسباب كثيرة كالاحتلال ونهب ثروات الشعوب ومواردها الطبيعية، والحروب الأهلية والاخفاق في عدالة توزيع الثروة والقضاء على البيئة أو تلويثها، وباتت الشركات متعددة الجنسية، تتحكم في إدارة اقتصاد العالم وربط المساعدات للدول الفقيرة بفتح أسواقها أمام التجارة العالمية وحرية رؤوس الأموال في التنقل عبر الحدود من دون قيود وتشجيع الاستثمارات الأجنبية مما يؤدي في نهاية المطاف إلى إعادة إنتاج شكل جديد من الهيمنة الاستعمارية على مقدرات دول العالم الثالث وزيادة الفجوة ما بين الأغنياء والفقراء.

وتكمن مواجهة الفقر في القدرة على التحكم بالموارد الطبيعية والبشرية وعدم إهدار الثروة في الحروب والنزاعات. فلقد قدرت تكلفة حرب الخليج الأولى (1980) 190 مليار دولار أميركي، وحرب الخليج الثانية (1991) قرابة 232 مليار دولار، والحرب الأهلية في لبنان 25 مليار دولار، ولو استثمرت تلك المليارات في مشاريع انتاجية أو استثمارية لاختلف الوضع الحالي لعالمنا العربي.

وللمفاهيم الاجتماعية أيضاً دور كبير في إنتاج الفقر، فالفقراء ينجبون الكثير من الأطفال لاعتقادهم بأن الأبناء هم ركيزتهم في الشيخوخة ومصدر أمان لهم لدى عجزهم. لذا فإن توسيع مظللة الضمانات الاجتماعية سيعمل على ضبط الزيادة السكانية على المدى البعيد وتقليل عدد الفقراء.

ويعتمد تغيير المفاهيم الاجتماعية وتطويرها بشكل أساسي على العملية التعليمية، فالتحولات الملموسة التي تمت عقب اختراع الكومبيوتر وتنامي اعتماد التنمية الاقتصادية على التكنولوجيا خلال عقد التسعينات يجعلنا نضع الأولوية القصوى على العملية التعليمية، برفع مستوى التحصيل التعليمي بالاعتماد على الثقافة العلمية وتحسين أوضاع المعلمين، ورفع مستواهم الاجتماعي. فما لم نأخذ في اعتبارنا مستوى الخريجين من العمالة الماهرة المؤهلة تكنولوجياً. فإن فرص عملهم ستكون محدودة، ذلك أن التقانة دخلت في كل قطاعات الحياة، وستشهد السنوات العشر المقبلة سقوطاً لم يسبق له مثيل لأنصاف المتعلمين والعمال غير المهرة، في الوقت ذاته ستشهد صعوداً لم يسبق له مثيل في خلق ثروات طائلة من تكنولوجيا المعلومات، وسيظهر الكثير من أمثال بيل غيتس، الذي تبرع في الآونة الأخيرة بمبلغ مليار دولار أميركي لتوزيعها في شكل منح دراسية للطلاب. وعلى رغم تأييدنا لهذا الاتجاه في أعمال الخير، إلا أننا نرىأنه ينبغي إيجاد آلية قانونية واقتصادية لتوزيع أكثر عدلاً للثروة مما يجنبنا احتمال اضطرابات سياسية أو اجتماعية تعود بالبشرية خطوات إلى الوراء. إن خطوة إلى الخلف من أجل خطوتين إلى الأمام هي أفضل من خطوة إلى الأمام تعقبها خطوتان إلى الخلف.

والإعلام بوسائله المرئية والمسموعة والمقروءة يلعب دوراً في صياغة عقول المتلقين وتوجهاتهم ويحمل في طياته تطويراً للمفاهيم الاجتماعية أو ترسيخاً لها أو العودة بها إلى الوراء.

فالفكر يدرك بالعينين ما لا يدركه بالأذنين ويدرك بالأذنين ما لا يدركه بالعينين، وبذلك يهيمن الإعلام على العقول مرتكزاً على المعتقد والثقة في وسائله، فالعملة النقدية تستمد قيمتها من المصداقية التي نضعها فيها ويدرك الأعلام جيداً الأهمية الحقيقية لما هو وهمي، ذلك أن اللغة لا تعني تماماً ما تقوله وهي مفتوحة على تأويلات عدة.

وفي هذا الإطار يجدر التنويه بنموذج يحتذى به هو إمارة أبوظبي، حيث أن الإدارة السياسية فيها أوجدت طرقاً جديدة لضمان رفاه مواطنيها، وكرست آليات لتوزيع الدخل بشكل يعم فيه الرفاه الاقتصادي على الجميع، وجاءت سيادة النظام الأخلاقي الإسلامي والتزام الأغنياء اخراج الزكاة والصدقة لتضييق الهوة بين الأغنياء والفقراء، أضف إلى ذلك ترسخ السلوك الاجتماعي المنضبط، ووجود نظام سياسي لا يتوانى في ضخ كافة موارده الاقتصادية في التنمية البشرية والبنية التحتية للدولة. إنه نموذج جدير بالاقتداء وهو الأقدر على الإرتقاء ،الألفية الثالثة ويمكن تلمس العدل والسلام والأمن والأمان في كافة مناحي الحياة. ومن الصعوبة العثور على "فامن" في دولة الإمارات، حيث لا يوجد غير حاصل على الحد الأدنى من الرفاه الاقتصادي.