11 Oct
11Oct

انقسم الفلاسفة وعلماء الاجتماع وفقهاء القانون إلى تيارين متناقضين، حول مدى جدوى عقوبة الإعدام، فذهب التيار الإبقائي إلى العمل على إبقاء هذه العقوبة، في حين ذهب التيار الإلغائي إلى العمل على هدم حجج التيار الإبقائي وإبراز حججه التي تدعو إلى إلغاء هذه العقوبة.



التيار الإبقائي


الإعدام والردع.


من أهم الحجج المؤيدة لإبقاء عقوبة الإعدام كونها مخيفة، يهلع قلب من تسوِّله نفسه الإقدام على جريمة يكون معاقباً عليها بالإعدام "إذ يجدون أمام الدافع إلى الجريمة مانعاً قوياً، وهو حرمانهم من حقهم في الحياة، هذا التهديد في الواقع من أهم وسائل المنع العام وأكثرها فاعلية".


للرد على هذه الحجة نقول: إن المجرمين لم يرتدعوا، بمعنى أنه إذا كان للردع دور هام في إجهاض نوايا المجرم الإجرامية، فلماذا ما يزال هناك مجرمون يرتكبون جرائم معاقباً عليها بالإعدام حتى الآن، بل الأدهى من ذلك أن "آرثر كوستلر" يقول إنه "في العصر الذي كان فيه النشالون يُعدمون في إنجلترا، كان لصوص آخرون يمارسون مهازلهم بين الجمهور المحتشد حول المشنقة التي يُشنق عليها زميلهم".


لقد أُجري إحصاء في مطلع القرن العشرين في إنجلترا يظهر أن "170" من أصل "250" مشنوقاً قد سبق لهم وشهدوا شخصياً تنفيذ إعدام أو إعدامين. وإذا كنا نرغب في أن يكون العقاب عبرة لمن يعتبر، فإنه من باب أولى، أن ينفذ الإعدام علناً وأن تنقله الشاشة الصغيرة حتى يراه الجميع، فيرتعدوا، لكن عمليات التنفيذ في أغلب البلدان ما عادت تتم بشكل علني، بل تجري في باحة السجون أمام عدد قليل من الإختصاصيين، ولم تبق وسيلة العلانية مُطبقة إلا في قلة من الدول، ومنها جمهورية أفريقيا الوسطى والسلفادور، ويطلب المشرّع تنفيذ العقوبة في ذات المكان الذي وقعت فيه الجريمة، ويأخذ بوسيلة التنفيذ العلني لعقوبة الإعدام أيضاً تشريع إيران ولاوس وكمبوديا وشيلي.


والحقيقة أن العلانية في التنفيذ تعتبر نظرية في كمبوديا وشيلي وليست واقعية، ففي كمبوديا يبعد رجال الأمن الأفراد في أثناء التنفيذ، وفي شيلي يُكتفى بأن يكون من الممكن حضور ثلاثين شخصاً أثناء التنفيذ، فتعتبر العلانية متوافرة. وفي دول أخرى يكون التنفيذ علانية جوازياً في بعض الحالات الاستثنائية كالمغرب وأستراليا.


وإجمالاً فإننا لا نستطيع أن نزعم أن الإنسان لا يخشى الموت، إن الحرمان من الحياة بدون أدنى شك، أقصى عقوبة، وإذا كان الخوف من الموت أمراً بديهياً، فمن البديهي أيضاً أن هذا الخوف لم يكف لردع الأهواء البشرية، فالإنتقام والشرف والحب والكرامة تستطيع كل منها بسهولة أن تواجه الخوف من الموت، وبذلك لا يكون للردع العام دور أساسي، حيث إن الدافع للقتل يقصي الخوف من الموت. وغالباً ما يُصدر القاتل حكماً ببرائته من قبل أن تصدر المحكمة حكماً بإدانته، فأغلبية المحكوم عليهم بالإعدام يكونون مقتنعين بعدالة قضيتهم. وعادة الثأر والجرائم التي ارتكبت تحت مظلته تعتبر عادلة بالنسبة إلى مرتكبيها، بل ويستحقون التكريم من قبل ذويهم، فالأفضل والحالة على هذا النحو، أن نعمل على نشر الوعي ما بين الجماهير على أن نعدمهم.


الإعدام والرأي العام


يذهب التيار الإبقائي إلى القول بأن عقوبة الإعدام مقبولة لدى الرأي العام، وخاصة العاملين في مجال الأمن أو إدارة المؤسسات العقابية، أي أن الرأي العام قد ألفها واطمأن إليها. فلماذا نقلب قواعد حياتنا القانونية من أجل عدد ضئيل من القتلة والأشرار؟


نحن نعتقد أن هذا الرأي يجانبه الصواب، وذلك لأن الرأي العام لا يتسم بالثبات والاستقرار، ودائماً يكون متأثراً بوسائل الإعلام، وتتسم مواقفه عادة بردود الأفعال، لا بالموقف الثابت النابع من خلال الوعي العام بضرورة الإبقاء أو إلغاء عقوبة الإعدام. وعلى سبيل المثال، فلقد عمَّت المظاهرات إيطاليا عند اغتيال جنرال في الشرطة العام 1981م، وفي هذه الفترة أيضاً تم خطف القاضي "جيوفاني دوروسو"، فعمت المظاهرات شوارع إيطاليا مطالبة بعودة عقوبة الإعدام، وذلك كرد فعل فقط لهذين الحدثين. وفي منتصف العام 1982م عمت المظاهرات إيطاليا أيضاً مطالبة بإلغاء عقوبة الأشغال الشاقة، وذلك بعد اكتشاف حالة بريء قضى حياته في السجن محكوماً عليه بالأشغال الشاقة.


من خلال هذين المثلين المتناقضين يتضح لنا عدم جدوى الرأي العام، باعتباره حجة يستند إليها أنصار التيار الإبقائي، فيكفي أن تتبنى الصحف ووسائل الإعلام المرئية قضية ما، حتى نجد أن الرأي العام مؤيد لما بُثَّ في وسائل الإعلام، والأكثر عاطفة سيتبناه الرأي العام. وهكذا، ففي مسرحية "يوليوس قيصر" لوليم شكسبير، بعد أن قتل "بروتوس" القيصر يوليوس، وقف بروتوس وأقنع جمهرة الناس بأن مقتل يوليوس قيصر كان من أجل الحرية، وأن ذلك عدل، واقتنعت تلك الجمهرة بذلك. ثم ما لبث "أنطونيو" الصديق الوفي ليوليوس، أن استمال الجماهير عاطفياً موضحاً أنه جاء ليرثيه لا ليمدحه. والحقيقة أنه مدحه وعدد مآثره، فسرعان ما اقتنع الناس بالظلم الذي وقع على يوليوس، أي أن الرأي العام وقف إلى جانب "أنطونيو" بعد لحظات قليلة من وقوفه إلى جانب بروتوس. وهكذا يتضح لنا أن الرأي العام لا يصل إلى حد أن يكون حجة يستند إليها، ما دامت أجهزة الإعلام الرسمية هي التي تؤثر في هذا الرأي وتشكله، وخاصة في دول العالم الثالث. وأما عن الإضافة المتعلقة بأن الشعور العام نحو احترام الحياة الإنسانية قد ضعف، ويدللون على ذلك بكثرة حوادث الخطأ غيرالعمد.


فإننا نقول إن احترام الحياة الإنسانية ضعيف منذ القدم، وإلا فأين احترام الحياة الإنسانية عندما قُتل "30" ألف شخص واعتقل "50" ألف شخص في كومونة باريس وأين احترام الحياة الإنسانية في جواتيمالا؟ حيث أكدت منظمة العفو الدولية أن حكومتها شنّت حملة منظمة واسعة النطاق من القتل والتعذيب، أُديرت من مكاتب القصر الوطني بإشراف الرئيس" رميو لوكاس" بنفسه. وجاء في تقرير المنظمة أن نحو ثلاثة آلاف شخص قد اغتيلوا بعد اعتقالهم طوال الشهور العشرة الأولى من العام 1980م، وأن مئات آخرين قد اختقوا، فأين إذن احترام الحياة الإنسانية، وهل يتحقق ذلك من خلال الإعدام؟


الإعدام حق للدولة.


يقول أنصار التيار الإبقائي: إن من حق الدولة حماية النظام الاجتماعي، وإعدام أي فرد يصدر منه ما يدل على أنه أصبح يمثل خطراً يهدد هذا النظام.


ونحن نعتقد بأنه من حق الدولة حماية النظام الإجتماعي، ولكن يجب أن يتم ذلك في حدود معينة لا يجوز تجاوزها. فمن الممكن أن تحافظ الدولة على النظام الإجتماعي مع إلغاء عقوبة الإعدام... وهل الدول التي ألغت هذه العقوبة لا تحمي نظامها الإجتماعي؟ إن الإنسان هو ابن ظروف نشأته، ولو هيأت الدولة الظروف الصالحة لأُناس صالحين، لأصبحوا هكذا. وعلى حد تعبير المفكر الفرنسي جان جاك روسو. "وُلد الإنسان طاهراً فأصبح في العالم فاسداً". ولقد كتب جلبرت سلدر عن أهمية الظروف قائلاً: " لوغيرت بيئة ثلاثين من الهوتنتوت Hottentot – عشب في جنوب أفريقيا- بثلاثين طفلاً من أرستقراطيي الإنجليز، فسيصبح الأرستقراطيون هوتنتوب من كل النواحي العملية، وسيصبح الهوتنتوت محافظين صغارا"، أي أن الإنسان نتاج بيئته، وبتعبير آخر فإن كل مجتمع يستحق مجرميه، ومن حق الدولة أن تحاكم المجرمين حفاظاً على النظام الاجتماعي، ولكن ليس إلى حد إعدامهم.


موقف المشرع المدني.


إن الاتجاه الغالب بين التشريعات المقارنة هو الإبقاء على العقوبة، ولقد ظفر هذا الاتجاه بتأييد عدد من المفكرين الكبار أمثال روسو، الذي فلسفها بنظريته الشهيرة عن العقد الإجتماعي. فالفرد الذي قبل مختاراً- بعقد يبرمه مع المجتمع- أن يتخلى عن الانتقام الفردي مقابل حماية المجتمع له، يكون قد قبل سلفاً بالتخلي عن حياته، فيما إذا فُصم هذا العقد واعتدى على حياة شخص آخر. ولقد قبل العقوبة أيضاً قطبا علم الجريمة "لمبروزو" و "جار فالو" وهما من زعماء المدرسة الوضعية، لتخليص المجتمع من رجل لمبروزو الأشهر وهو المجرم بالفطرة.


إن اتصاف الظاهرة بالعمومية، لا يعني صحتها، ولكنه يضفي عليها الشرعية، فكون أغلب التشريعات المقارنة ما زالت مُبقية على عقوبة الإعدام، فإن هذا لا يعني بالضرورة أنها صالحة.


أما عن جان جاك رسو، فإنه ليس من المنطقي أن يقبل الإنسان التخلي عن حياته، إذا فصم هذا العقد الإجتماعي، واعتدى على حياة شخص آخر، وخاصة أن الغالبية العظمى من المحكوم عليهم بالإعدام، يكونون محقين من وجهة نظرهم، أي لم يفصموا العقد الإجتماعي.


أما عن لمبروزو، فإن المجرم بالفطرة غير موجود، ذلك أن الإنسان وليد بيئته. والواقع أن الاتجاهات نحو الإلغاء، لم تحدث أثرها في كثير من الدول بسبب التقاليد والدين وبسبب السياسة الجنائية والعقابية السائدة.


هذا عن حجج مؤيدي الإبقاء على عقوبة الإعدام، وتوجد بعض الحجج قليلة الأهمية، كالقائلة بأنها عقوبة تكفيرية، بمعنى أن الذي قتل آخر وحرمه من حياته، يجب أن يُكفّر بدمه عن خطيئته، وهذه الحجة تحمل في طياتها الانتقام، وهو أمر لا توافق عليه المدارس العقابية الحديثة.


التيار الإلغائي


الإعدام ليس حقاً للدولة.


إن القانون الذي يُحرّم القتل لا يجوز أن يأمر به، فالتشريعات المختلفة في ماضيها وحاضرها، تتجه نحو تحريم فعل القتل، والإعدام ما هو إلا قتل من قبل الدولة. وإذا كان للدولة الحق في حماية مواطنيها والدفاع عن مصالحها، فليس من حقها أن تستأصل بعضاً من مواطنيها، والإعدام في حد ذاته لا يزيل آثار الجريمة، إنما هو جريمة جديدة، وقيل أيضاً إن الدولة لم تمنح الأفراد الحياة، حتى يكون لها الحق في سلبهم إياها.


الإعدام عقوبة غير مفيدة. 


لم يثبت أن البلاد التي ألغت العقوبة، قد زادت فيها نسبة الجريمة، أي أن المجتمع لا يستفيد من تقرير عقوبة الإعدام، ففي تقرير اللجنة المختارة الإنجليزية للعام 1930م، واللجنة الملكية الإنجليزية، ما يفيد بأن جميع الإحصائيات التي أُجريت تؤكد أن إلغاء عقوبة الموت لم يؤد إلى زيادة في عدد الجرائم.


وفي بعض الدول التي أعادت عقوبة الإعدام بعد إلغائها، لم تنخفض نسبة الجرائم المعاقب عليها بالموت، بل ثبت أن دولة مثل النمسا، حين أعادت العقوبة العام 1934م، لاحظت بصورة مؤكدة أن الإجرام ارتفع فيها كثيراً، أي أن العقوبة ليست وسيلة وقاية.


وبالإضافة إلى ذلك فهي عقوبة غير رادعة، فعلى سبيل المثال، أُعدم في إيران العام 1970م خمسة وسبعون من مهربي المخدرات، في سنة واحدة، وعلى الرغم من ذلك، بقيت عمليات التهريب مستمرة، وأُعدم في الكويت العام 1975م قاتل واحد، ولم تمض أيام، حتى كتبت الصحف عن جناية قتل ثلاثية ارتكبها مجرم آخر كان يشهد عملية الإعدام، فهل حرّكت رؤية المشنقة شهية هذا القاتل حتى يكون بطلاً لحفلة مشؤومة، وهو الإنسان المهمل الذي لا قيمة له؟.. إذن يكون الإعدام في هذه الحالة محرّضاً لبعض الشواذ المغرمين بحب الظهور. أما ما يقال من أن تنفيذ عقوبة الإعدام عبرة وعِظة، فإن العلماء يؤكدون أن هذا التنفيذ يثير الغرائز الوحشية في الإنسان.


ويضيف أنصار هذا الاتجاه أن الجريمة ليست مسؤولية المذنب وحده، وإنما ترجع هذه الظاهرة إلى عوامل كثيرة وأغلبها يكون متعلقاً بالمجتمع، فلا يجوز إلقاء المسؤولية كاملة على عاتق المذنب.


الإعدام عقوبة خطرة إذا وقع فيها خطأ.


إن الخطأ في توقيع عقوبة الإعدام لا يمكن إصلاحه، فالأخطاء القضائية التي لا تثبت إلا بعد تنفيذ العقوبة تستحيل إزالة أثرها، إذا كانت العقوبة التي نُفّذت هي الإعدام، وقد ثبت فعلاً وقوع أخطاء قضائية من شأنها أن تحدث نزيفاً متدفقاً في كبرياء الضمير الإنساني.


أسباب كثيرة وراء الأخطاء القضائية.


أ- المتهم كثيراً ما يعترف كذباً، ومن ذلك أن شخصاً اتهم بقتل امرأة، و"عولج" في قسم الشرطة حتى اعترف بقتلها وإلقاء جثتها في النهر، فأُعدم وبعد عامين عادت المرأة إلى بيتها. وفي إحدى المدن العربية اتهم شخص بقتل ثري وإلقائه في بئر، ونتيجة لـ"ضغوط" جسدية تعرّض لها في أثناء التحقيق أدلى المتهم بـ "اعترافات كاملة" .. وكاد يصعد إلى المشنقة، لولا أن أحد المسؤولين، لم يرتح ضميره إلى هذه الاعترافات، فاستجوب زوجة أحد أصدقاء القتيل، وعرف منها أن القاتل زوجها لأنه مدين للقتيل بمبلغ كبير، وعجز عن سداده، وأنها عاونته في نقل الجثة إلى البئر.


ب- قد تكون الأخطاء القضائية بسبب شهود العيان، فالشهادة بيِّنة من البيانات العديدة، ولقد أثبتت الدراسات الحديثة ن كثيراً من الشهادات مضللة، رغم مظاهر الطيبة والبراءة التي تبدو على أصحابها. فالشاهد قد يخطئ لضعف في الذاكرة أو في حاسة الرؤية أو السمع، ومن شأن ذلك أن يضلل القضاء، سواء بحسن نية أو بسوء نية، فالنتيجة واحدة، والطريق إلى النار محفوف بالنوايا الطيبة.


ج- من المحتمل أن ترجع الأخطاء القضائية إلى القرائن، بالرغم من أن القرائن لا تخطئ، فإن المختص في بعض الأحيان يقع في الخطأ فيضلل القضاء... فلقد اتُّهم زوج بقتل زوجته بالسم الممزوج بالكحول، ولم يمض على زواجهما شهران، كانا فيهما على أحسن ما يكون. وأُرسلت أحشاؤها إلى التحليل، فجاء الجواب أن كمية الكحول فيها كثيرة، وطالب النائب العام بإعدام المتهم.. ولكن المحامي اكتشف أن مساعد الطبيب المحلل، كان ينظف الأواني الزجاجية بالكحول، وأنه وضع الأحشاء فيها مدة يومين فامتصت كمية كبيرة منها، ولذلك ظهرت في التحليل كأنها أداة جريمة.. وأنقذ هذا الإكتشاف المتهم البريء.


د- كما أن الأفكار السائدة في المجتمع تلعب دوراً في تجريم المرء أو تبرئته، كذلك أيضاً تطور الفكر العلمي نفسه، فلقد اتهم صيدلي فرنسي بقتل زوجته بالسم، واكتشف التشريح وجود بعض مليجرامات من الزرنيخ في جسمها. فأدانته المحكمة، ولكنها لم تحكم عليه بالإعدام، بل قضت عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة، وظل السجين البريء يعلن على مدى عشرين عاماً- وهو في السجن- أنه بريء، ولا مجيب، حتى ثبت علمياً العام 1923م، أن جسم الإنسان العادي يمكن أن يحتوي، بصورة طبيعية، على هذه الكمية من الزرنيخ.. وتقررت إعادة محاكمته، فبُرِّئ وعاد إلى الحرية شيخاً.



ولقد تمت إدانة المجرم الفرنسي "جان كالاس" العام 1762م ظلماً بتهمة قتل ابنه بمدينة "تولوز" بفرنسا، ونُفذت فيه عقوبة الإعدام بإلقائه في النار حيّاً، فحمل الفيلسوف الساخر "فولتير" على هذا الحادث حملة شعواء في كتاباته إلى أن أعيد النظر في القضية، وبُرِّئ "جان كالاس" وأُعيد إليه شرفه واعتباره، ورُدَّت أمواله المصادرة إلى ورثته.


ومن بين الذين لا يستحقون الإعدام وأُعدموا- شخص أمريكي يدعى " ببارتون آبوت" فلقد نُفذ فيه حكم الإعدام في 15 آذار/ مارس 1957م في كاليفورنيا، لاتهامه بقتل ابنه في الرابعة عشرة. ورغم أن آبوت أكد باستمرار براءته، إلا أن الحكم صدر عليه. وقد حُدد موعد التنفيذ في الساعة العاشرة من صباح ذلك اليوم. وفي التاسعة وعشر دقائق، صدر أمر بوقف التنفيذ للسماح للمحامين لتقديم طلب عفو أخير، وفي الحادية عشرة، رُفض الطلب. وبعد خمس عشرة دقيقة، كان "آبوت" يستنشق أولى نفخات الغاز.. وفي الساعة الحادية عشرة وثلاثين دقيقة، كان سكرتير لجنة العفو يتكلم بالهاتف، فقد بدلت لجنة التحقيق رأيها، وبحثت عن الحاكم الذي كان في عرض البحر، ثم طلبت السجن بالهاتف مباشرة، وأُخرج "آبوت" من غرفة الغاز، لكن بعد فوات الأوان.. لو كان الطقس عاصفاً فوق كاليفورنيا حينذاك، لما أبحر الحاكم، ولكان من الممكن إنقاذ حياة آبوت، يا لها من سخرية.. حيث تتوقف حياة إنسان على الأحوال الجوية.. 


المرض النفسي والإعدام.


في دراسات للدكتور عادل صادق على مئتي قاتل وقاتلة، اتضح أن 60% منهم، أثبت رسم المخ الكهربائي وجود موجات كهربائية غير طبيعية في أدمغتهم.


وبالنسبة إلى المرض النفسي، فبعض القتلة مصابون بمرض الفصام "الشيزوفرينيا"، ومن أعراض هذا المرض التلبّد الوجداني، حيث لا يوجد لدى المصاب توازن انفعالي، بمعنى أن هذا الإنسان المريض قد يقتل أي شخص، لأتفه السباب. والمثال الآتي، يوضح ذلك خير توضيح.


.. في إحدى ليالي باريس، عاد الإبن متأخراً، فعنّفه والده على ذلك، مما أغاظه، فما كان منه إلا أن أمسك فأساً وهوى بها على رأس أبيه حتى تهشمت، ثم انهال ضرباً بذات الطريقة على أمه.. وبعد ذلك خلع ثيابه، وخبأ سرواله، وذهب لزيارة أهل خطيبته، ثم عاد إلى بيته وأخبر الشرطة بأنه وجد والديه مقتولين، وسرعان ما اكتشفت الشرطة السروال الملوث بالدماء، وحصلت دونما صعوبة، على الاعترافات من قاتل والديه.. واستنتج الأطباء النفسانيون أن السبب الذي دفع القاتل إلى جريمته كان اغتياظه.. بيد أن لا مبالاته الغريبة التي أظهرها في السجن، لا يمكن أن تعتبر طبيعية.. قال لمحاميه، مهنئاً نفسه على أن كثيراً من الناس ساروا في جنازة والديه: لقد كانا محبوبين جداً. 


ومن بين أعراض مرض الفصام أيضاً، الإحساس بالإضطهاد، كأن يشعر الإنسان بأنه مراقب وضطهد، وأن هناك من يحاول إيذاءه أو قتله، وبهذا فقد يقتل من يعتقد بأنهم مزمعون على قتله، أو أنهم يضطهدونه.. وبعض المصابين بالفصام تطاردهم الهلوسات السمعية التي تأمرهم بقتل أنفسهم أو بقتل الآخرين.


وبعضٌ آخر قد يكون مصاباً باكتئاب، وقد يؤدي ذلك لأن يقتل الأب ابنه. ويعتقد بعض الناس أننا في هذه الحالة نكون أمام إنسان شرير يجب إعدامه، ولكن الحقيقة أنه قتل ابنه بدافع حبه له وليس بباعث الشر، فالمكتئب يرى أن الحياة شديدة السواد.. مأساة.. معاناة.. شقاء.. ولذا فهو يقتل أعز الناس لديه لاعتقاده أنه بذلك ينقذه.. من الحياة.


هناك نسبة كبيرة من القتلة تقترب من حدود عشرين في المئة مصابون باضطراب في الشخصية "الشخصية السيكوباتية". فمثل هؤلا ءالناس ليسوا مرضى بالفعل، ولكنهم ليسوا أسوياء.. وأما عن السفاحين، الذين يطالب الكثير بإعدامهم، فإنهم أحق بالعلاج والرعاية من قبل المجتمع.. فهم جِدّ تُعساء وحقاً مرضى. قصة السفاح الذي قتل "13" امرأة في مقاطعة "يوركشاير" بإنجلترا خير دليل على هذا، فلقد قال مدير الشركة التي كان يعمل بها السفاح سابقاً: "كيف يكون بيتر سفاحاً في الوقت الذي اختارته الشركة السائق المثالي، وقد طبعت صورته وهو يقود سيارتها على إعلاناتها الملونة".


وكان السفاح هادئاً، بالإضافة غلى ذلك كان زوجاً سعيداً، وشهد الجيران بأنه شاب يتسم بالهدوء، إلا أنه كان ينزع إلى الوحدة وعدم مخالطتهم.. وقال الأطباء الشرعيون الذين فحصوا جثث الضحيا، إن عمليات القتل كانت مليئة بالقسوة والعنف، مما يدل على أن السفاح لم يتركب جرائمه بهدف السرقة وإنما كراهيته للنساء، فخرج ينتقم من كل امرأة يلتقي بها ويقتلها بوحشية.


فهل يعقل أن تكون تلك سلوكيات إنسان عاقل؟ لا نعتقد ذلك، فبداخل هذا المتهم سيل جارف من التراكمات المتناقضة التي تعصف بأفكاره يميناً ويساراً، فأدت به إلى أن يكون مريضاً يستحق العلاج.


الإعدام عقوبة غير عادلة:


يعتبر الإعدام بنظر الكثيرين عقوبة غير عادلة، وجزاءً باهظ الثمن، وذلك للأسباب الآتية:


أ- لأنها تسحب البساط من تحت قدمي المتهم، ولا تجعل أمامه فرصة للحياة الشريفة بعد تقويمه، كما يصعب التناسب بين هذه العقوبة وبين خطأ المتهم، فهناك عوامل كثيرة لتحديد مدى خطأ المتهم وهذه العوامل والمعايير متغيرة، فما يعتبر خطأ في مجتمع، قد يستحق التقدير في مجتمع آخر.


ب- لأنها لا تقبل التدرج بحسب الظروف الخاصة بالجاني ولا بجريمته، أي أن هذه العقوبة ليس لها حد أقصى أو أدنى.


ج- تعتبر العقوبة قاسية على الشخص مهما كانت الوسيلة التي تنفذ من خلالها، لأنه إلى الآن لا توجد وسيلة لتحقيق الموت الفوري، وبصدد هذا الموضوع، فقد قدم الدكتوران "بنيد وليفر" و "فورني" تقريراً إلى أكاديمية الطب في فرنسا يوضحان فيه حالة الشخص بعد إعدامه مباشرة. ويقول التقرير "إذا استطعنا أن نسمح لأنفسنا بتقديم رأينا حول هذا الموضع، فإن مثل هذه المشاهد فظيعة الإيلام، الدم يخرج من الأوعية بقوة نبض الودجين المقطوعين، ثم يتخثَّر، وتتشنج العضلات، وتتقلص أليافها بطريقة مذهلة، ويتموج المعي، وينبض القلب بحركات غير منتظمة، ناقصة، أخَّاذة.. ويتقلص الفم في لحظات معينة بتعبير اشمئزاز وتتسع العينان، لكنهما لحسن الحظ لا تنظران، وإذا لم يكن فيهما ذلك الكدر وذلك اللون الحليبي الذي تتلون به الجثث، إلا أنهما باتتا لا تتحركان وأن شفافيتهما حيّة، لكن شخوصهما ميتة، وهذا كله قد يدوم دقائق، بل ساعات، لدى أفراد طبيعيين، إن الموت ليس فورياً. وعلى هذا فإن كل عنصر حيوي يظل على قيد الحياة، بعد قطع الرأس.. ولا يبقى للطبيب إلا ذلك الانطباع من تجربة فظيعة عن عملية تشريح قاتلة يتبعها دفن سابق لأوانه".


الإعدام عقوبة غير منطقية وليس فيها ما يبررها:


تعتبر عقوبة الإعدام غير منطقية لأنها " قتل منظم" كما قال "بكاريا"، فالمجرم يرتكب جريمته تحت دوافع اندفاعية أو مرضية، في حين أن المجتمع يقرر إعدامه وينفذه بهدوء ورويّة، فالدولة في هذه الحالة لا تزيل آثار الجريمة، وإنما تعاود ارتكاب جريمة أخرى. 


ويضيف أنصار هذا الاتجاه بأنه لا يجوز الإستناد إلى حالة الضرورة، فشرط حالة الضرورة التي تبرر القتل: الدفاع الشرعي، ليست متوافرة بالنسبة إلى الدولة عند تنفيذها لعقوبة الإعدام، نظراً لانتهاء حالة الخطر بوقوع الجريمة، ولوجود المتهم تحت تصرف الدولة التي يحق لها أن تحمي المجتمع منه بوسائل أخرى غير قطع رأسه.


الإعدام يتعارض مع الأغراض الحديثة للعقوبة.


كانت العقوبة في مفهومها القديم تهدف إلى الزجر والردع والإيلام، فكانت بمثابة انتقام للمجتمع من الجاني. أما العقوبة على وفق السياسة العقابية الحديثة، فهي لا تهدف إلى الانتقام بل إلى الردع والإصلاح في آن واحد. وبالتالي فإن الردع من الممكن تحقيقه بوسائل أخرى غير الإعدام. وعقوبة الإعدام تتنافى مع الغرض الإصلاحي من العقوبة.. إذ إنها لا تعطي للجاني فرصة للإصلاح وإعادة تقويم ذاته. والعقوبة تحرم المجتمع من عضو قد يُسهم جدّياً في الإنتاج.


الإعدام وشخصية العقوبة.


ينبغي للعقوبة أن تكون شخصية دائماً، فلا توقع على غير الجاني مهما قربت صلته به. وكانت الشرائع القديمة تعرف أحوالاً توقع فيها العقوبة على الجاني أو أقربائه. أما الآن فقد استقر في القوانين كلها أن المسؤولية الجنائية تقع على الجاني وحده. وتتعارض عقوبة الإعدام مع شخصية العقوبة، إذ إن إعدام أحد الأفراد وإن كان يمس أساساً المتهم إلا أن أثر الإعدام يمتد إلى غيره من أفراد الأسرة، خاصة إذا كان المحكوم عليه بالإعدام هو عائل الأسرة. 


طبقية الإعدام.


إن تاريخ المجتمع على مر العصور، لم يكن سوى تاريخ صراع بين الطبقات، فالصراع كان محتدماً بين الحر والعبد، والنبيل والعامي، والسيد الإقطاعي والقِنَّ، والمعلم والصانع.


وهكذا فإننا نستطيع أن نقسم المجتمع إلى فقراء أغلبية وأغنياء أقلية. وأغلبية من المحكوم عليه بالإعدام من الفقراء، وذلك لما تتمتع به طبقة اجتماعية دون أخرى من نفوذ توظفه لصالح أبنائها، وأيضاً لأن الاستعانة بكبار المحامين يثقل كاهل الفقراء ولا يقدرون عليه، وذلك بعكس الأغنياء الذين يستعينون بعدة محامين من أجل الدفاع عنهم. وتؤكد الدراسات في الولايات المتحدة الأمريكية أن مجتمع الزنوج ينال القسط الأكبر من عقوبة الإعدام، فمنذ العام 1930م- 1980م نفذ حكم الإعدام في "2066" من السود و "1751" من البيض، مع أن السود لا يتجاوزون ثُمن 1/8 عدد السكان.


الجرائم المعاقب عليها بالإعدام في العصر الحديث


أولا: الجرائم الموجهة ضد الأشخاص.


1- القتل مع سبق الإصرار: وهو معاقب عليه بالإعدام في أغلبية البلاد المختلفة بعقوبة الموت.


2- القتل العمد: وهو يعاقب عليه بالموت في بلاد قليلة، أكثرها أفريقية.


3- القتل في أثناء مبارزة: وهو مقصور على عدد من الولايات الأمريكية.


4- جريمة الغش: وهي موجودة في بعض الولايات الأمريكية.


5- التسميم: فرنسا والعراق واليابات والمغرب ومصر وبعض الجمهوريات الجديدة.


6- قتل الأب أو الأم أو الولد: معاقب عليها بالإعدام في فرنسا، وتركيا، ولبنان، والمغرب، والعراق، واليابات، وغيرها.


7- القتل الذي يرافق أو يعقب ارتكاب جريمة أخرى: مصر، ولبنان، ودول أخرى.


8- قتل الشرطي أو موظف في أثناء الخدمة.


9- ضرب أو جرح ولد بصورة عنيفة حتى الموت.


10- الحريق المتعمد الذي ينجم عنه موت أحد: مصر، يوغسلافيا، ودول أخرى.


11- الاشتراك في انتحار ولد أو مخدر أو مجنون: السودان، والهند، ودول أخرى.


12- إجهاض امرأة تسبب في موتها.


13- اغتصاب امرأة بالعنف: وتكون عقوبة الإعدام في حالتين:


أ- إذا نشأ عنه موت: كما في اليابان، وتركيا. 


ب- الاغتصاب العادي: كما في الصين ، وبعض الولايات الأمريكية.


14- المتاجرة بالمخدرات في بعض الحالات الخطيرة.


15- الاعتقال التعسفي مع التعذيب الجسدي: الصين، وتشيكوسلوفاكيا، ودول أخرى.


16- الشهادة الكاذبة التي تتسبب في صدور حكم بالإعدام: الهند، والعراق، ودول أخرى.


17- خطف القاصر:


أ- بعض البلاد تشترط موت المخطوف كفرنسا، والمغرب. 


ب- بعضها لا تشترط، وإنما يجب أن يتم في ظروف خاصة كطلب فدية، كما في شيلي.


18- الأضرار الخطيرة التي تتسبب للمواصلات: بعض الولايات الأمريكية.


ثانيا: الجرائم الموجهة ضد الأموال والجنايات الاقتصادية.


1- السرقات الموصوفة، أو المشددة، خاصة مع استعمال السلاح، كما هو الحال في بعض الولايات الأمريكية، وفرنسا، واليونان.


2- القرصنة مع العنف: استراليا، وكندا، وشيلي، وإسبانيا، وجواتيمالا... وغيرها.


3- الاحتكار أو رفع الأسعار بصورة غير مشروعة وخطيرة واختلاس أموال الدولة. 


4- تزييف النقد والمضاربة بالعملات الصعبة.


5-الاعتداء الخطير على الملكية الإشتراكية.


ثالثاً: الجرائم الموجهة ضد الدولة والنظام العام.


1- الخيانة.. كما في العديد من الدول.


2- التجسس: كما في الصين وإسبانيا وفي القانون الفيدرالي بالولايات المتحدة الأمريكية، وفرنسا واليونان، وإيران، والمغرب ومصر، وتشيكوسلوفاكيا.


3- الاتصال بالعدو أو التعاون معه: كما في دول عديدة.


رابعاً: الاعتداء على السلامة الداخلية للدول، ويكون ذلك في الحالات التالية:


1- العصيان المسلح والثورة أو التآمر على الدولة.


2- القتل المرتكب في أثناء اضطرابات أو ثورة: بعض الولايات الأمريكية.


3- الاعتداء على سلامة رئيس الدولة وبعض الشخصيات العامة.


4- النهب والقتل الجماعي والتخريب.


5- الزنى وكان يعاقب عليه بالإعدام في أفغانستان سابقاً، وتم تعديل القانون الجنائي التركي حديثاً كمستحقات الدخول في دول الاتحاد الأوروبي.




ملحق


(1)


قواعد الأمم المتحدة


ومبادئها التوجيهية في القضاء الجنائي


عقوبة الإعدام




1- أهابت الجمعية العامة للأمم المتحدة، في قرارها 32/91، المؤرخ في 8/كانون الأول/ ديسمبر العام 1977م، بـ "مؤتمر الأمم المتحدة السادس لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين"، أن يبحث مختلف جوانب تطبيق عقوبة الإعدام وإمكانية الحد من تطبيقها، بما في ذلك العمل بطريقة أكثر رأفة على تطبيق القواعد المتصلة بالعفو، أو تخفيف العقوبة أو تأجيلها، وتقديم تقرير عن ذلك، مشفوعاً بتوصيات، إلى الجمعية العامة في دورتها الخامسة والثلاثين. كذلك رجت الجمعية العامة من لجنة منع الجريمة ومكافحتها أن تنظر في المكان المناسب من جدول أعمال المؤترم السادس الذي ينبغي أن يدرج فيه هذا الموضوع، وأن تعد وثائق عن هذه المسألة.


2- وبعد ذلك قررت لجنة منع الجريمة ومكافحتها، في دورتها الخامسة، إدراج موضوع عقوبة الإعدام البند "7" في جدول الأعمال المؤقت للمؤتمر، وهو البند المعنون "قواعد الأمم المتحدة ومبادئها التوجيهية في القضاء الجنائي: من وضع المعايير إلى التنفيذ". كما قررت اللجنة "E/CN. 588/5 الفقرة 66" أن تقدم الأمانة العامة ورقة عمل مستقلة عن عقوبة الإعدام تضحى دليلاً للمناقشة يتم إعداده وفق الشرط الذي حدده قرار الجمعية العامة 2857 "د- 26" و 32/61، وهو أن يكون الهدف الذي ينبغي السعي إلى تحقيقه في ميدان عقوبة الإعدام هو إلغاء هذه العقوبة.


3- ومن آن لآخر تُعرِّف المحافل الدولية للعلماء والأفراد أو المنظمات المعنية بمسألة عقوبة الإعدام، عن موقفها إزاء هذه العقوبة، ففي العام 1967 عقدت الحلقة الدراسية الدولية للاحتفال بالذكرى المئوية لإلغاء عقوبة الإعدام في البرتغال، وأوصت هذه الحلقة الدراسية بـ "الإلغاء العالمي النهائي لعقوبة الإعدام" آخذة في اعتبارها أنه لم تجد أدلة على الأثر الردعي لعقوبة الإعدام، وأن هذه العقوبة "لا إنسانية" أيضاً، وأنها قد تُستخدم في القمع وتستبعد إعادة التأهيل. وأوصت كذلك بالإستعاضة عن عقوبة الإعدام بجزاءات أخرى، وبأن يجري فوراً، تحقيقاً لهذه الغاية، إيقاف العمل بعقوبة الإعدام في الدول التي تؤيّد الإبقاء عليها.


4- ولقد طُرح موقف ضد عقوبة الإعدام في الندورة المعنية بحقوق الإنسان والحريات الأساسية في الوطن العربي، والمعقودة في بغداد في الفترة من 18 إلى 20 أيار / مايو 1979م، وأوصى ممثلو جامعة الدول العربية، وهيئاتها المتخصصة، وعدة منظمات دولية معنية بحقوق الإنسان، وعدد من المنظمات المهنية والشعبية بصورة مشتركة، بإلغاء عقوبة الإعدام.


5- وقد عارض عدد كبير من المنظمات غير الحكومية عقوبة الإعدام لمدة طويلة، وفي مؤتمر الأمم المتحدة الخامس لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين، المنعقد في جنيف العام 1975م، قدمت 26 منظمة غير حكومية، ذات مركز استشاري لدى المجلس الاقتصادي، والاجتماعي، بياناً مشتركاً يدعو- في جملة أمور- جميع الحكومات، التي ما زالت تأخذ بعقوبة الإعدام إلى وقف استخدامها. وفي العام 1977م، نظمت هيئة العفو الدولية مؤتمراً دولياً في استوكهولم عن إلغاء عقوبة الإعدام، حضره مندوبون من جميع مناطق العالم، وأصدر هذا المؤتمر إعلاناً أدان فيه عقوبة الإعدام بوصفها "عقوبة قاسية لا إنسانية مهينة"، إذ هي انتهاك لحق المرء في الحياة. وأشار أيضاً إلى أن عقوبة الموت تستخدم كثيراً كأداة للقمع ضد جماعات المعارضة والجماعات العرقية والدينية والفئات المعدمة، وأن فرض عقوبة الإعدام يستثير النوازع الوحشية في جميع من يشتركون في تنفيذها. وواصلت هيئة العفو الدولية حملتها ضد عقوبة الإعدام بأن نشرت تقريراً شاملاً عن هذه المسألة، وهي تصدر كذلك دراسة معلوماتية شهرية للتطورات الخاصة في ميدان عقوبة الإعدام، وتورد فيها بصفة خاصة أخباراً عن أحكام الإعدام وحالات الإعدام.


ملحق


(2)


الدول التي ألغت عقوبة الإعدام




1- فنزويلا العام 1863


2- رومانيا العام 1864


3- البرتغال العام 1867


4- هولندا العام 1870


5- كوستاريكا العام 1880


6- كولومبيا العام 1910


7- النرويج العام 1905


8- النمسا العام 1905


9- السويد العام 1921


10- الأرجنتين العام 1922


11- الدومينكان العام 1924


12- الدانمارك العام 1930


13- المكسيك العام 1931


14- إيرلندا العام 1940


15- سويسرا العام 1937


16- إيطاليا العام 1944


17-أستراليا العام 1945


18- ألمانيا الغربية العام 1949


19- فنلندا العام 1949


20- نيبال العام 1950


21- هندوراس العام 1953


22- نيوزيلندا العام 1961


23- موناكو العام 1962


24-إنجلترا العام 1965


25- إيرلندا الشمالية العام 1966


26- كندا العام 1967


27- الفاتيكان العام 1969


28- أغلب الولايات المتحدة الأمريكية. 


وفي بعض الدول، يحتفظ التشريع الجنائي بعقوبة الإعدام، من حيث المبدأ فقط، دون تنفيذها فعلاً. كما هي الحال في بلجيكا وبعض الولايات الأمركية، ومن الجدير بالذكر أن قوانين الدول الإشتراكية سابقاً، تصف الإعدام بأنه عقوبة استثنائية. وتضيف المادة "23" من قانون العقوبات الروسي عبارة "إلى أن يتسنى إلغاؤها". وقد نصت المادة "29" من قانون تشيكوسلوفاكيا السابقة على قيدين للحكم بالإعدام وهما:


أ- أن تحتم مصلحة المجتمع توقيع العقوبة.


ب- ألا يكون في الإمكان إصلاح المجرم بعقوبة سالبة للحرية.




ملحق


(3)


العقوبة البديلة للإعدام


اتجه المشرَّع في الدول التي ألغت الإعدام إلى إحلال عقوبة سالبة للحرية بدلاً من الإعدام. فالأشغال الشاقة عقوبة بديلة في بلجيكا، وألمانيا، وإيطاليا. وفي أحيان أخرى تكون العقوبة البديلة هي الحبس مدى الحياة، كما في النمسا، وسويسرا، والأرجنتين، والإكوادور، والدنمارك، وفنلندا، والنرويج، وهولندا، والسويد، ونيوزيلندا. وبعض التشريعات لا تنص على العقوبة السالبة للحرية المؤبدة، كما في البرتغال، وقد ألغيت العقوبة المؤبدة بها العام 1884م، التي كانت بديلا للإعدام، وطبقاً لمرسوم صادر العام 1936م، ومعدل العام 1954م، أصبح بديل الإعدام عقوبة السجن من عشرين إلى 24 عاماً، وهذا ما انتهجه المشرِّع أيضاً في جمهورية سان مارينيو، وجمهورية الدومنيكان، وأورجواي، والبرازيل، وفنزويلا.