عالم بلا جريمة


11 Oct
11Oct

بعد أن خلق “زيوس” الإنسان أراد أن يخلق أنثى جميلة للإله “بروميثيوس” فأوجدها من الطينة البشرية، وجاءت آية في الجمال والحسن، وأقبلت الآلهة فوهبتها فينوس من جمالها، ومينرفا من حكمتها، وديانا من رشاقتها، كما وهبها “كيوبيد” من حبه، وأبولّو من شعره، ثم نفخ فيها “زيوس” من روحه فدبت فيها الحياة، وسماها ربها “بندورا”، وحملها “هرمز” هدية إلى بروميثيوس الذي رفضها، فتلقاها أخوه “ابيمثيوس”. وعاشت بندورا كما تعيش الآلهة في لهو ومرح. وفي أحد الأيام، وبينما كان الزوجان يتناجيان، أقبل هرمز بصندوق هدية من زيوس إلى بندورا واشترط عليها ألا تفتح الصندوق إلا بعد إذنه. مرّت أيام وأيام ولم يأت الإذن الإلهي بفتح الصندوق، فنهضت إلى الصندوق مأخوذة بجماله وأسراره وفتحته، فانطلقت الأرواح الشريرة، خفاشاً يحمل المرض، وآخر الفقر، وثالثاً الجوع، ورابعاً البخل وخامساً النفاق، وسادساً القحط وسابعاً النفاق، وثامناً الدناءة.. إلى آخر الرذائل التي ما زالت موجودة بيننا حتى اليوم. وهكذا عرف الإنسان طريقه إلى الجريمة.

وعندما أعادت بندورا غلق الصندوق بسرعة، سمعت صوتاً من داخله يقول: افتحي لي حتى أشفي جراحكم. ففتحته لتخرج روح “الأمل” التي لولاها لما بقي أحد منا في الحياة، فلا حياة بلا أمل!

ومنذ انطلاق الرذائل يحيا الإنسان ومعه الجرائم، ومنذ أن وعي تاريخه وهو يحاول إعادة الأرواح الشريرة إلى الصندوق للإقلال من الجرائم وتوفير الحياة السعيدة. وتؤثر تلك الأرواح الشريرة في سلوكياتنا وبقدر سيطرتنا على المناخ الذي تحيا به الرذائل يمكن النجاح في التقليل من الجرائم. ويستجيب الإنسان للموقف بأنماط سلوكية مختلفة تبعاً لتربيته وبيئته، ذلك أن لكل مجتمع معاييره الاجتماعية المختلفة التي يصوغها الناس خلال مسيرة حياتهم. فإذا انحرف أحد من أعضاء المجتمع عن تلك المعايير الاجتماعية فإننا نكون بصدد سلوك غير اجتماعي، وقد يكون ذلك الانحراف إلى الحد الذي يضع مرتكبه تحت طائلة القانون، أي أن يكوّن ذلك السلوك غير الاجتماعي أركان جريمة ما..

ومنذ البدء، تعمل البشرية على القضاء على الجريمة أو الحد منها، ولقد استخدمت في ذلك أساليب عديدة ضمن مفهوم العقاب، فأغرقت بعد المجرمين وأحرقت بعضهم أحياء وصلبتهم أو خنقتهم أو قطَّعت أوصالهم، وأهانت الجسد البشري إلى حد اختراقه بالخازوق، وعلى الرغم من ذلك لا تزال ظاهرة الجريمة تندفع لكسب مواقع جديدة.

. . ولعل من أسباب الفشل في مكافحة الجريمة تلك النظرة ضيقة الأفق التي تعدُّ الجريمة مشكلة من مشاكل القطاع الجنائي وحده، وتعوِّل عليه أن يجد حلولاً لهذه المشكلة. إلا أن التقليل من معدلات الجريمة يعتمد بشكل أساسي على توفير الحلول للمشاكل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تؤثر في غالبية السكان، ومكافحة الجريمة لا تبدأ بالفرد بقدر ما تبدأ بالمجتمع.

يرتكز التصور الواقعي للتخطيط لمنع الجريمة على التعرف على واقع الجريمة من خلال البيانات والإحصاءات. حيث يمكن استخدام تلك البيانات في تحديد اتجاهات الجريمة. . والعمل على دراسة العلاقة بين العمليات الإنمائية، كالتحضر والتصنيع ونمو السكان والهجرة وغيرها من الاتجاهات الديموغرافية، بالزيادات المحتملة في معدلات الإجرام، من أجل ضبط هذه الظاهرة والتحكم في مساراتها والإقلال من معدلاتها.

ويتمثَّل النهج الأفضل لمنع الجريمة في إتباع التخطيط البيئي، حيث يفترض هذا النهج وجود مجموعة معينة من الظروف تؤدي إلى احتمال زيادة ارتكاب أنواع معينة من الجريمة، لذا فإن إحداث تغيير في الظروف أي “البيئة” من شأنه أن يؤدي إلى تخفيض في حالات وقوع تلك الأنواع من الجرائم.. فالإنسان وليد بيئته تربطه بها علاقة التأثر والتأثير المتبادل، وبالتالي فإن إزالة الظروف المعيشية التي تحط من كرامة الإنسان، مثل الفقر والأمية والتمييز العنصري واللامساواة بمختلف أشكالها ومستوياتها، ستؤدي حتماً إلى الإقلال من معدلات الجريمة من جانب، واحتواء السلوك الإجرامي داخل حدود مقبولة، من جانب آخر . .

. . ولضمان نجاح التخطيط لمنع الجريمة، يجب ربطه بالخطط الإنمائية الشاملة. فوضع برامج لتعليم المجرمين مهارات تقنية مطلوبة في سوق العمل، سيقلل من احتمالات عودة هؤلاء المجرمين إلى الجريمة مرة أخرى، وفي الوقت ذاته فإنَّ اكتسابهم لتلك المهارات يسهم في تحقيق برامج التنمية على المستوى الوطني. وينبغي علاج التفاوت بين أنماط التغير الاقتصادي السريع، وثبات القوانين أو تغيُّرها البطيء بما لا يتناسب مع التطورات والمفاهيم الاجتماعية الصاعدة بفعل التنمية. ويمكن أن يكون هذا التفاوت مصدراً لمشاكل كثيرة، ومن أجل الحدّ من هذا التفاوت والتقليل من التخلف الاجتماعي، فإنَّه يتعين تحسين النظام القانوني وتقويمه وتعديله بصفة مستمرة بحيث يواكب الاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية المتغيرة..

ومن العوامل المساعدة للجريمة: الهجرة. فالطيور تهاجر تاركة أوطانها هرباً من قسوة البرد إلى الدفء، ويهاجر الفلاح المعدم من قريته إلى المدينة بحثاً عن الرزق، ويترك ابن المدينة مدينته إلى عواصم أخرى من العالم أملاً في تحسين ظروف معيشته، ويحمل المهاجر والنورس أفكار ومعتقدات البيئة المحلية التي نشأ فيها، وغالباً ما تختلف تلك الأفكار والمفاهيم مع ما هو سائد في البلد المستقبل، وينشأ نتيجة لذلك صراع بين الثقافات تنعكس آثاره على جيل الآباء وتكون أكثر وضوحاً عند الصغار. فاختلاف المفاهيم وتناقضها يؤدي إلى اختلال في القيم وعدم ثقة فيها، ما يدفع بالأحداث إلى دائرة الجنوح. .

ويؤدي الاتجاه السائد نحو تحوُّل المدن الكبرى والعواصم إلى مدن متضخمة، إلى زيادة معدلات الهجرة إليها، فيظهر نتيجة لذلك قصور في قطاعات عديدة كالصحة والتعليم والإسكان، وغالباً ما يفشل المهاجرون في الحصول على مصادر رزق شريفة، فيلجأون إلى الطرق غير الشرعية لسد احتياجاتهم. ومما لا شك فيه أن العمل على منع الجريمة في ظل حركات الهجرة الإقليمية والوطنية والدولية، يتطلب أن تكون حركات الهجرة مخططاً لها، وأن تُنفذ في إطار التنمية الوطنية الشاملة، مثل إقامة مدن صناعية خاصة أو إنشاء مناطق زراعية حديثة، بغية زيادة الموارد الوطنية وتنظيم الهجرة. واستيعاب المهاجرين ضمن خطط التنمية، من شأنه أن يؤدي إلى رفع مستوى الحياة لدى المهاجرين وإلى تخفيض معدلات الجريمة..

كما أن الأمية تلعب دوراً في ارتفاع نسبة الجريمة، وقد دلَّت الدراسات على أن نسبة المجرمين بين الأميين تبلغ أكثر من ثلاثة أمثالها بين الذين تلقوا دراسة ثانوية أو أعلى منها، أي أنَّه كلما ارتفع مستوى التعليم في أحد القطاعات، انخفضت نسبة الجريمة في ذلك القطاع. ولا يمكن اعتبار هبوط المستوى التعليمي في حد ذاته، دافعاً وحيداً لارتكاب الجريمة، إلاَّ أن إحساس الإنسان بانعدام الأمن، إضافة إلى انخفاض الدخل الفردي ومحدودية الفرص المتاحة للعمل، قد يدفع باتجاه معارضة المجتمع والتمرد عليه.. ولمنع الجريمة، فإنِّه من الأهمية بمكان، أن توضع الخطط والبرامج الحقيقية والجادة من أجل محو الأمية والعمل على إدخال تعديلات على مناهج التعليم العام ونظامه في الدول النامية، بحيث تساير التقدم التكنولوجي الذي وصلت إليه دول العالم المتقدم، وأن توضع برامج التعليم على وفق مقتضيات الواقع وفي إطار التنمية الوطنية والاحتياجات الفعلية للدولة. فالتباين بين اتجاه النظام التعليمي وبين فرص العمل المتاحة قد يؤدي إلى السعي لانتهاز الفرص غير المشروعة والوقوع في براثن الجريمة ..

إنَّ التعرض للعلاقة ما بين وسائل الاتصال بالجماهير، كالكتب والصحف والمجلات والأجهزة الإذاعية المسموعة والمرئية والأسطوانات وأشرطة التسجيل الصوتية وأشرطة الفيديو والأفلام… وآثار هذه الوسائل على عقلية المشاهد ونمط تفكيره، مسألة شائكة وشديدة التعقيد. نحن جميعاً نتأثر بأجهزة الإعلام وما تبثه من معلومات، إلا أنه من الصعوبة أن ندرك حجم هذا الأثر على سلوكياتنا، وبات من المؤكد أنَّ وسائل الإعلام تلعب دوراً خطيراً في تكوين مفاهيمنا وتغيرها.

وعلى الأجهزة الإعلامية الواعية إجراء دراسة وافية لكل عمل إعلامي قبل تقديمه إلى الجمهور، وبصفة خاصة تلك الأعمال التي تتناول موضوعات الجريمة والإجرام، بحيث لا تعرض الأعمال التي تظهر المجرم بالشخصية المتكاملة والقادرة على الاستحواذ على عطف ومؤازرة الجماهير، أي يجب ألا تُعرض الأعمال التي تظهر المجرم بالشخصية التي ينبغي الاحتذاء بها. وفي هذا المضمار أيضاً، ينبغي عدم إظهار رجل الشرطة على أنه الشخصية القادرة على التغلب على كل المعوقات، الذي يمتلك قدرات جسدية وعقلية متميزة، الذي يعمل بلا كلل، فإنَّ ذلك يثير في نفوس الجماهير الإحساس بالشفقة تجاه المجرم، ولا بأس من إظهاره بصورة الرجل العادي الذي يكافح الجريمة والمجرمين.

إنَّ فكرة العقوبة قديمة قدم الجريمة وملازمة لها، ولقد تطور مفهوم العقوبة والهدف منها عبر التاريخ إلى مستوى لا يخفى على أحد، فاستمرت النظرة إلى العقوبة من عهد “سينيكا” إلى “أرسطو” باعتبارها وسيلة لإخافة الفرد، ولقد تطور مفهومها في عهد “مونتسكيو” و”روسو” و”بكاريا” باعتبارها أداة قمع. وبدأت الغاية من العقوبة تتحول تدريجياً إثر قيام ثورة الإصلاح العقابي في القرن الثامن عشر، حيث أصبح الهدف الأساسي للعقوبة إيقاظ ضمير الجاني ودفعه إلى التكفير عن ذنبه. بيد أن تحولاً عميقاً وشاملاً قد جرى في أهداف العقوبة وغاياتها على أيدي حركة الدفاع الاجتماعي التي ترى أنَّ هدف العقوبة هو تأهيل الجاني وإصلاحه وتقويم سلوكه، بهدف إعادته إلى المجتمع مرة أخرى كإنسان سوي قادر على التعامل والتعايش والتكيف والاندماج . .

ولا شك أنَّ التنفيذ العقابي الذي يرمي إلى إيلام الجاني وإيذائه والانتقام منه، قد يدفع به إلى العودة مرة ثانية إلى حظيرة الإجرام والتمرد على المجتمع، نتيجة لما لاقاه من معاملة قاسية وسيئة. وعلى ذلك فإنَّ التنفيذ العقابي الحديث يعامل المتهم طبقاً للقواعد الإنسانية بما يتفق مع المواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، ويجب أن يتم ذلك في ضوء التنمية باعتبار أنه تأهيل إنساني للجناة للعودة بهم إلى الحياة الاجتماعية السوية. . ويجب أن يبنى على أسس علمية وأن يؤمِّن للمسجونين مستوى معيشياً داخل السجون يليق بالحياة الكريمة، وأن يعمل على ربط المسجونين بالحياة الاجتماعية. . فالكفاح ضد الجريمة هو أحد مهام المجتمع الرئيسة ولخوض هذا الكفاح ينبغي التسلح بالوسائل كافة، منها ما هو قبل ارتكاب الجريمة ومنها ما هو بعد الارتكاب، ويجب أن يتم ذلك بالأساليب والطرق الإنسانية والحضارية دون تقطيع أوصال المجرمين أو تشويههم، فالهدف حماية المجتمع والأفراد من الجريمة في إطار احترام القيم الإنسانية. . فهل من البطولة والفخر أن يحمل الإنسان رأس أخيه بين يديه ليلقي به على قارعة الطريق ؟ !